الناس

حين غيّرتُ ملابسي أمام صورة حافظ الأسد/ كارمن كريم

الأسد كان يراقبنا نحن السوريون في كل مكان، حتى في منزلنا كان له صورة صغيرة منحنا إياها أحد الأصدقاء، ولم يجرؤ والديّ إلا على إلصاقها على خزانة الملابس. كان الأسد يراقبني كلما غيرت ثيابي ووقفت عارية أراقب ابتسامته الباردة، وكلما تمددت متعبة، كان هناك دوماً، شعرتُ به وخفت منه.

قبل سنوات انتُخِبَ  أحد أقربائي عضواً في الاتحاد العام للفلاحين في سوريا، وكان من مميزات ذلك أن تمنحه الدولة منزلاً في دمشق وسيارة فخمة، في بعض الأحيان كنت أسافر معه من البلدة، وفي مرة وعلى أحد الطرق الرئيسية، رأيته يلوح لأحدهم، لكن لم يكن هنالك أحد.  سألته على من تلقي السلام؟ فقال: “على بشار الأسد”، وكان هناك صورة كبيرة لبشار يقف فيها ملوحاً بيده. يومها أدركت كيف تُعبد الأصنام وكيف يمكن لأحدهم أن يبني علاقة مع صورة لجلاده ويلقي عليه السلام على طريق لا أحد فيه.

أستعيد هذه الحادثة مع الكشف عن أول تمثال لرئيس النظام السوري، بشار الأسد في مدينة بلقسة بريف حمص الغربي و بكلفة تقدر بـ ٦٥٠ مليون ليرة سورية، بحسب ما نشر ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، أي ما يقارب 45 ألف دولار أميركي فيما لا يتجاوز راتب الموظف 15 دولارا أميركيا.

لا سبب واضح لتأخر بشار الأسد في نشر تماثيله على نحو ما فعل والده الأسد الأب، الذي حرص على نشرها في كلّ بقعة سوريّة ووضع صورة رأسه أو مجسماً له في كل مؤسسة حكومية كما تم تعليق صوره في كل زاوية وشارع ومنزل، تماماً كما يفعل القائد في رواية جورج أورويل (1984) في تجسيد لمراقبة السلطة الدائمة للناس وملاحقتهم حتى داخل منازلهم.

الأسد كان يراقبنا نحن السوريون في كل مكان، حتى في منزلنا كان له صورة صغيرة منحنا إياها أحد الأصدقاء، ولم يجرؤ والديّ إلا على إلصاقها على خزانة الملابس، فلا مجال للمخاطرة وعدم إشهارها إثباتاً لحبنا ودعمنا للأسد، في ظل انتشار المخبرين في كل مكان ومحاولتهم التأكد من ولاء الناس للأسد، كما فعل صديقنا.

كان حافظ الأسد يراقبني كلما غيرت ثيابي ووقفت عارية أراقب ابتسامته الباردة، وكلما تمددت متعبة، كان هناك دوماً، شعرتُ به وخفت منه، وأعلم أن كثيرين مثلي، عاشوا تجربة أن يراقبهم الأسد، أن يكون موجوداً في أكثر لحظاتهم حميمية وفردية، فلا فردية في سوريا، هناك فقط أنت ومعك الرئيس، قضيت طفولتي ثم مراهقتي وأنا أغير ثيابي أمام صورة حافظ الأسد، ولم اعتد يوماً وجوده، لم أنسَ أنه كان يراقبني، إذاً هذا هو هدف السلطة، أن يكون الأسد حاضراً دوماً معنا، يذكرنا بأن كل شيء له حتى خزانة ملابسي وجسدي.

بالعودة إلى التمثال، يبدو للحظة الأولى أنه وضع بمبادرة فردية، مبادرة نابعة من حب صرف للأسد، الذي يجلس في قصره منهكاً بمواجهة المؤامرات الكونية! “الفرد الموالي” هو جزء من السلطة، فكيف لو كان هذا الموالي، والذي تكفل بثمن التمثال هو “شجاع علي”، المقرب من النظام ومن حزب الله، والناشط الذي يشتبه بمسؤوليته عن خطف السوريين على الحدود السورية اللبنانية للحصول على فدية، شجاع ذاته الذي يرهب الأهالي في ريف حمص بحماية وغطاء من النظام.

وهكذا فالنظام هو من وضع التمثال وليس الموالون، يتبع الموالي للنظام ولا قرار له حتى في صنع تمثال لقائده، النظام هو من يقرر صنع نصب تذكاري ويدفع ثمنه من عمله في اختطاف الناس الهاربين من جحيم سوريا إلى لبنان.

ثقافة الأصنام

يرتبط تقديس التمثال بمدى وعي الناس أو جهلهم، عبَدَ الناس الأصنام قبل آلاف السنين لجهلهم بنظام الحياة وأسباب حدوث العواصف والزلازل وبالعلة والسبب، فاعتقدوا أن بعبادتها الشمس أو الريح المتجسدة على شكل تمثال يتقون شرّها، وحين تطورت المعرفة والعلوم أدركوا أن النجاة ليست في عبادة الصنم، واليوم “يعبدون” الصنم لذات السبب مع فارق بسيط، هم يدركون أن سبب معاناتهم هو نظام الأسد وليس قوة خارقة لكنهم يريدون أن يتقوا شرّه أيضاً.

 في الحالة السورية تقديس التمثال أو “الصنم” علامة سياسيّة بحتة، ربما دلالة على الطاعة، الطاعة العمياء بصورة أدق، وهنا بالضبط، تكمن قوة نظام الأسد،  في دفع الناس لقول ما لا يصدقونه وما لا يؤمنون به، تأتي الطاعة هنا والاحتفال بالتمثال كأسلوب لاتقاء شرّ الأسد من جهة، وترهيب من يعترض على وجوده، التمثال هنا، علامة خوف وانقسام.

لم يُكشف عن النصب مع استلام بشار الأسد الحكم أو مع بداية الثورة إنما في اللحظة الأقسى على السوريين، في لحظة الجوع والموت، حين انتهت البلاد بالمعنى الحقيقي، فتقسمت وتناولت الدول كلٌّ حصتها، في وقت يقع أكثر من 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر ويقبع أكثر من 130 ألف شخص في معتقلات الأسد، يرفع التمثال في لحظة الدمار الكبير، وهي اللحظة المناسبة بشكل مثالي لروح وديكتاتورية نظام الأسد.

وبينما تحرق صور الأسد في السويداء يرفع النصب في بلدة بلقسة ذات الأكثرية العلوية، كشكل من مواجهة النظام لمحتجيه، وإن لم يتدخل عسكرياً لإسكات هذه المعارضة فلديه طرق أخرى لمواجهة المحتجين، وتذكيرهم بأن عهد الأسد قابل للتجديد في كل يوم، خطوة تُظهر في الوقت ذاته سذاجة النظام واستماتته لتذكير الناس بمصدر القوة في البلاد، إذ لا خوف أكبر من أن يتوقف الناس عن الخوف منه، الخوف يساوي القوة، وحرق صورة القائد يعني أنه كسر حاجز الخوف الذي هو حصن الأنظمة الديكتاتورية.

تشكّل النصب التذكارية جزء من طريقة تعامل نظام الأسد مع شعبه وإدارته لهم، وهو ليس هوساً بذاته بقدر ما هو ترسيخٌ لها، حتى أنه أنشأ تماثيل لحلفائه، على سبيل المثال نُحت تمثال نصفي للطيار الروسي “أوليغ بشكوف” الذي قُتل أثناء قصف الشمال السوري، أي مناطق معارضة النظام، لم يكتفِ النظام بقصف معارضته بل توجه إلى تقديس من ساعدوه في قصفهم، يمكن اختصار هذه الفكرة بما قاله نحات التمثال إياد بلال: “مقتل الطيار الروسي صدمنا أنا وعائلتي.. نحن فهمنا أن هذا المحارب جاء لإنقاذنا، ولذا نحن ممتنون له مدى الدهر”، هذا التقديس يعني منح مؤيديه مبررات لأي جرائم أو مجازر يقوم بها، التقديس يأتي من فكرة الحماية، فبشار بمفهوم الموالاة حمى شعبه لذلك يجب أن يقدس،  وهو ما منح مؤيديه، على سبيل المثال، القدرة على شرعنة مجزرة التضامن، فلم يتردد الموالون في تبرير المجزرة أو التغاضي عنها على الأقل، رغم بشاعتها، إذ أن هذا نظامهم مقدس ويؤمن مؤيدوه به كلما رأوا تماثيله وصوره المنتشرة في كل مكان وألقوا التحية على صوره.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى