سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

القبيلة ودورها في بناء الدولة: قراءة في السياق السوري/ حسن محمد العميّر

فبراير 5, 2026

مع بدء تشكيل ملامح الهوية السورية الجديدة بعد سقوط النظام البائد، أصبح من الضروري معالجة القضايا القبلية وتفكيك عُقدها كي تصبح جزءاً فعالاً في بناء الدولة الوطنية الحديثة. من هنا، نشأت الحاجة إلى إعادة النظر في علاقة القبيلة بالدولة، مع التأكيد على ضرورة دمج هذه القوة الاجتماعية ضمن إطار الدولة القانونية الحديثة، بحيث تكون ركيزة لبناء الوطن وتشكيل الهوية السورية التي تعتمد على المواطنة.

تُشكّل القبيلة إحدى البُنى الاجتماعية التقليدية المتجذّرة في المجتمع السوري وقد أدّت تاريخياً أدواراً متعددة، لا سيما في البيئات التي عانت من هشاشة الدولة أو غياب مؤسساتها الفاعلة.

ومن أبرز الجوانب الإيجابية للقبيلة تعزيزُ قيم التكافل الاجتماعي، إذ يقوم أفرادها بمساندة بعضهم البعض في أوقات الأزمات والشدائد، الأمر الذي يُسهم في ترسيخ التماسك الاجتماعي وتعزيز الثقة المتبادلة داخل الجماعات المحلية.

كما أن لشيوخ القبائل دوراً اجتماعياً تقليدياً في الوساطة وحل النزاعات، وهو دور اكتسب أهمية إضافية في فترات الانفلات الأمني، حيث ساهم، في بعض الحالات، في الحد من تصاعد النزاعات وتقليل الضغط على المؤسسات القضائية والأمنية.

غير أن هذه الوظيفة الإيجابية للقبيلة لا تنفصل عن السياق السياسي والاجتماعي الذي تُمارَس ضمنه، إذ شهدت سوريا، خلال العقود الماضية، توظيفاً ممنهجاً للبنية القبلية من قبل قوى مختلفة، في مقدمتها النظام البائد، الذي عمل على استثمار الولاءات القبلية لتعزيز نفوذه، وتكريس شبكات الزبائنية، وتقويض فكرة المواطنة المتساوية لصالح علاقات الولاء الشخصي والعشائري.

على الجانب الآخر، لا يمكن إغفال السلبيات البنيوية التي قد تنجم عن التمسك المفرط بالهوية القبلية، لا سيما عندما تتحول القبيلة إلى أداة لتعزيز العصبية أو التمييز الاجتماعي والسياسي. ففي مثل هذه الحالات، تُصبح القبيلة عائقًا أمام بناء دولة حديثة قائمة على سيادة القانون والمساواة بين المواطنين. إن الولاء الأعمى للقبيلة قد يُفرغ مفهوم “المواطنة” من مضمونه، ويؤدي إلى تغليب المصالح الخاصة والضيقة على حساب المصلحة الوطنية العامة.

وقد تعمّقت هذه الإشكالية مع توظيف القبيلة من قبل فاعلين مسلحين من خارج إطار الدولة، مثل تنظيم داعش، الذي سعى إلى اختراق البُنى القبلية، إما عبر القسر والعنف أو عبر التحالفات المؤقتة، بهدف فرض سلطته وإضفاء شرعية اجتماعية على مشروعه القائم على الإقصاء والعنف.

كما اعتمدت “قسد” في مناطق سيطرتها على سياسات استمالة أو تهميش قبائل بعينها، بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية، الأمر الذي أسهم في إعادة إنتاج الانقسامات المجتمعية وتعميق منطق الولاءات ما دون الوطنية.

في هذا السياق، تتحول القبيلة إلى بديل فعلي عن المؤسسات القانونية، وهو ما يُسهم في تكريس التفاوتات الاجتماعية وإضعاف مبدأ العدالة المتساوية. كما قد يتحول الانتماء القبلي إلى نوع من الحصانة غير الرسمية التي تتيح لبعض الأفراد الإفلات من المساءلة القانونية، الأمر الذي يُشكّل تهديدًا حقيقيًا لمسار بناء الدولة الحديثة ويقوّض ثقة المواطنين بمؤسساتها.

إن بناء دولة قوية وشاملة في سوريا يقتضي تجاوز الإشكالية التقليدية المرتبطة بالقبيلة، والعمل على إدماجها ضمن الإطار القانوني والمؤسسي للدولة الحديثة، بدل تركها عرضة للتوظيف السياسي أو العسكري من قبل قوى الأمر الواقع. ويجب التعامل مع القبيلة بوصفها مكوّناً اجتماعياً من مكونات المجتمع السوري، لا ككيان موازٍ أو بديل عن مؤسسات الدولة.

يمكن للقبيلة أن تلعب دوراً إيجابياً في تعزيز التماسك الاجتماعي وحفظ السلم الأهلي والأمن المحلي، لكن ذلك ينبغي أن يتم ضمن إطار مؤسسات الدولة الحديثة، حيث تبقى القيم القانونية، ومبدأ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون هي المرجعية العليا. ومن هنا، تبرز ضرورة معالجة القضايا القبلية بما يتوافق مع المصلحة الوطنية العليا، بحيث تُصبح القبيلة جزءاً من مشروع بناء الدولة الحديثة، لا أداة لتقويضه أو الالتفاف عليه.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى