الحكومة السورية بعد عامها الأول: بين رواية الإصلاح المؤسسي وتشكيك في الأساس الدستوري/ أحمد الجابر

أداء الحكومة السورية: بين الحديث عن إعادة بناء الدولة وانتقادات دستورية واقتصادية
2026-04-02
بعد أكثر من عقد من الحرب والصراعات التي ألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية والاقتصاد، دخلت سوريا منذ عام 2025 مرحلة انتقالية جديدة تحاول فيها السلطات إعادة بناء مؤسسات الدولة وإطلاق مسار التعافي الاقتصادي.
وخسر الاقتصاد السوري خلال سنوات النزاع أكثر من نصف حجمه، فيما قُدّرت الخسائر التراكمية بنحو 800 مليار دولار نتيجة الدمار الذي طال القطاعات الإنتاجية والخدمية والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، بدأت الحكومة بإطلاق مجموعة من الخطوات المؤسسية والاقتصادية، من بينها إنشاء مؤسسات جديدة للإشراف على التنمية وجذب الاستثمارات، مثل المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية وصندوق التنمية السوري، في محاولة لتنظيم عملية إعادة الإعمار وتعبئة الموارد المالية اللازمة لها.
كما تشير تقديرات دولية إلى أن الاقتصاد السوري قد يسجل نمواً محدوداً في عام 2025، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالعقوبات السابقة وضعف البنية المالية واحتياجات إعادة الإعمار الضخمة.
في المقابل، لا تزال البلاد تواجه أزمات إنسانية واقتصادية عميقة، إذ يعاني ملايين السوريين من انعدام الأمن الغذائي وتراجع مستويات الدخل والخدمات الأساسية، ما يجعل عملية التعافي الاقتصادي والسياسي معقدة وطويلة الأمد.
وسط هذه المعطيات المتشابكة، تتباين تقييمات الخبراء لأداء الحكومة في عامها الأول؛ فبين من يرى أن ثمة خطوات مؤسسية واقتصادية بدأت تتشكل تمهيداً لإعادة بناء الدولة وتحريك الاقتصاد، وبين من يعتقد أن تلك الإجراءات ما تزال محدودة أو غير كافية لمعالجة التحديات العميقة التي تواجه البلاد.
إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحريك الاقتصاد
يقول مرشد النايف، الخبير الاقتصادي لـ”963+”: إن العام الأول شهد جهداً منهجياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة تتلاءم مع متطلبات المرحلة الانتقالية، حيث يشير إلى أنه تمّت إعادة هيكلة عدد من الوزارات والهيئات المركزية، ويرى أن التركيز انصبّ على رفع كفاءة الأداء المؤسسي ومكافحة الفساد الإداري.
كما يلفت إلى إصدار حزمة من القوانين التنظيمية التي أسست لقاعدة قانونية أكثر وضوحاً لإدارة المرحلة الانتقالية، ولا سيما في مجالات اللامركزية الإدارية والإدارة المحلية. ويضيف أن عمل اللجان المحلية في المحافظات جرى تفعيله لضمان وصول الخدمات بشكل أكثر عدالة، ويتابع أن إشراك المجالس المحلية في رسم الأولويات كان من أبرز الخطوات التي اتُّخذت في هذا السياق.
ويقول النايف إن الحكومة حققت اختراقاً ديبلوماسياً بعودة العلاقات مع دول عربية وإسلامية، وإعادة فتح السفارات، والمشاركة في القمم الإقليمية، مشيراً إلى أن ذلك أنهى عزلة استمرت لعقود. كما يوضح أنه تم تفعيل التعاون مع دول الجوار في مجالات الاقتصاد والأمن ومكافحة الإرهاب. ويعتقد أن لدى الحكومة خطة دبلوماسية هادئة لتفكيك آثار العقوبات عبر التعاون الإقليمي، مفسّراً أن الهدف من ذلك هو إثبات أن استقرار سوريا يمثل مصلحة مشتركة للجميع.
وفي الشأن الاقتصادي، يرى النايف أن الحكومة اتخذت خطوات لتحريك عجلة الإنتاج، مبيناً أن أبرزها تحفيز الاستثمار عبر تسهيلات قانون الاستثمار والمناطق الحرة، وتوجيه الدعم إلى القطاعات الإنتاجية، الأمر الذي يعزو إليه ارتفاع نسب الاكتفاء الذاتي في بعض السلع. كما يشير إلى أن قطاعي الاتصالات والطاقة المتجددة شهدا نمواً ملحوظاً، ويخلص إلى أن الواقع الاقتصادي في عام 2025 شهد تحسناً مقارنة بالعام السابق.
ويتحدث النايف أيضاً عن تصريحات المسؤولين، معتبراً أنها تؤكد تحقيق تقدم ملموس ضمن الإمكانات المتاحة، إذ يلفت إلى تأهيل جزء من البنية التحتية بالاعتماد على الإمكانات الذاتية والمساعدات الإقليمية، كما يشير إلى وضع خطط لإعمار المناطق الأكثر تضرراً.
ويضيف أن آلاف العائلات عادت إلى مناطقها رغم الظروف الاقتصادية الهشة، موضحاً أن الحكومة تعمل ضمن خطة وطنية تعتمد في مرحلتها الأولى على التمويل الذاتي ثم الاستثمارات. كما ينوه إلى وجود خطة عاجلة للتوسع في الطاقة الشمسية وربط شبكات الكهرباء بدول الجوار.
وعن التحديات، يقول النايف إن الحكومة واجهت في عامها الأول مجموعة من التحديات الكبرى التي تتقاطع في تأثيرها على مسار المرحلة الانتقالية، مشيراً إلى أن أبرز التحديات في ملف الأمن والاستقرار الداخلي كان توحيد الجغرافيا السورية وتحريرها من عصابات حزب ب ك ك الإرهابي، معتبراً أن الإدارة السورية نجحت إلى حدٍّ لافت في تحقيق هذا التماسك. كما يلفت إلى أن انتشار السلاح غير الرسمي في بعض المناطق شكّل تحدياً أمنياً إضافياً يتطلب ضبطاً دقيقاً.
ويتابع النايف حديثه موضحاً أن أولويات الحكومة في العام الثاني ترتكز على ثلاث ركائز رئيسية: الأولى معالجة أزمة الكهرباء والطاقة بشكل جذري، والثانية إطلاق مشاريع إسكانية كبرى للمتضررين ورفع مستوى الخدمات الأساسية، والثالثة مواصلة الحوار الوطني الشامل.
أما في الشق الاقتصادي، فيرى أن الحكومة تعمل على إعداد رؤية استراتيجية طويلة الأمد لإعادة الإعمار والتنمية. كما يعتقد أن هناك توجهاً لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتطوير أنظمة الحماية الاجتماعية، والانتقال التدريجي من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج والمعرفة، معتبراً أن هذه الرؤية يمكن أن تشكّل خارطة طريق للعام الثاني وما بعده.
غياب الأساس الدستوري وارتفاع تكاليف المعيشة
من جهته، يقول أوس درويش، أستاذ القانون العام في جامعة السلطان قابوس، لـ”963+”: إن هذه الحكومة، برأيه، لم تستند أساساً إلى قاعدة دستورية واضحة ولا إلى أساس قانوني متماسك.
ويضيف أن الإعلان الدستوري الذي صدر، “يحصر معظم الصلاحيات بيد السلطة التنفيذية”. ويرى أن هذا الإعلان يجعل من الرئيس صاحب صلاحيات شبه مطلقة، مشيراً إلى أن كثيراً من القرارات الأساسية أصبحت بيده بصورة مباشرة.
ويتابع درويش بالقول إن من بين الأمثلة على ذلك استحداث مادة تقضي بأن يقوم الرئيس بتعيين معظم أعضاء مجلس الشعب، فيما تعيَّن النسبة المتبقية عبر لجنة يختارها هو أيضاً، مفسّراً أن ذلك يعزز من مركزية القرار السياسي.
وفي ما يتعلق بملف العلاقات الدولية والعقوبات، يشير درويش إلى أن تخفيف العقوبات، إن حدث، لا يعود الفضل فيه لهذه الحكومة، بل يعزو الأمر إلى رغبة المجتمع الدولي، ولا سيما بعض الدول الأوروبية، في منح سوريا فرصة جديدة.
ويضيف أن هذه الفرصة، وفق تقديره، ليست دعماً غير مشروط، بل هي فرصة مؤقتة ومشروطة بسلسلة من المتطلبات السياسية والاقتصادية.
كما يلفت إلى أن بعض العقوبات فُرضت لفترات محددة، مبيناً أنه في حال لم تحقق الحكومة الشروط المطلوبة فقد يعاد العمل بها، بما في ذلك قانون قيصر.
ويشير درويش إلى أن عدداً من أعضاء الكونغرس الأميركي تحدثوا عن هذا الاحتمال، ومن بينهم برايان ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، الذي لفت إلى إمكانية إعادة تفعيل العقوبات إذا لم تتحقق الشروط المطلوبة.
أما في الملف الاقتصادي، فيعتقد درويش أن النتائج الحالية، بحسب رأيه، لا تعكس تحسناً ملموساً، مشيراً إلى أن كثيراً من خبراء الاقتصاد يرون أن الأداء الاقتصادي لم يحقق نتائج واضحة حتى الآن. ويفسر ذلك بعدم وجود سياسة اقتصادية واضحة أو خطة استراتيجية متكاملة يمكن أن تقود الاقتصاد نحو نتائج ملموسة.
ويضيف أن الاقتصاد بطبيعته يحتاج إلى خطط واستراتيجيات طويلة الأمد كي تظهر نتائجه، معتبراً أن أي حكومة ينبغي أن تعتمد مساراً اقتصادياً محدداً وواضحاً، وهو ما يرى أنه غير متوافر حالياً.
كما يعتقد أن السياسات الاقتصادية المتبعة أدت، بحسب تقديره، إلى رفع مستويات المعيشة بشكل كبير نتيجة تحرير الأسعار وإلغاء الدعم عن بعض المواد الأساسية.
ويضرب مثالاً على ذلك بأسعار بعض السلع والخدمات، مشيراً إلى أن سعر أسطوانة الغاز كان يقارب عشرين ألف ليرة في السابق، بينما تجاوز اليوم مئتي ألف ليرة.
كما يلفت إلى أن ربطة الخبز كانت تتراوح بين أربعمئة وخمسمئة ليرة، بينما أصبحت اليوم بين خمسة آلاف وستة آلاف ليرة.
ويضيف أن فواتير الكهرباء ارتفعت أيضاً بشكل كبير، إذ يذكر أنها كانت تتراوح بين عشرين وثلاثين ألف ليرة، بينما أصبحت الآن تصل إلى ما بين مليون ونصف ومليوني ليرة في بعض الحالات.
ويرى درويش أن الواقع الاقتصادي للمواطن السوري، وفق تقديره، أصبح أصعب مما كان عليه قبل سقوط النظام، مشيراً إلى أن كثيراً من المواطنين يعبّرون عن هذا الانطباع عند سؤالهم عن أوضاعهم المعيشية الحالية.
كما يلفت إلى ارتفاع تكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية، ويضيف أن سعر صرف العملة شهد أيضاً تقلبات وميلاً إلى الارتفاع في الفترة الأخيرة.
وعن توقعاته للعام الثاني، يقول درويش إنه لا يتوقع، وفق تحليله الشخصي، أن يستمر الوضع السياسي الحالي بالصيغة نفسها لفترة طويلة، معتبراً أن الملف السوري قد يشهد تغيرات كبيرة في المرحلة المقبلة.
ويشير إلى احتمال حدوث تحولات جذرية على المستويات الديبلوماسية والسياسية وربما الاقتصادية أيضاً.
ويختتم درويش حديثه بالقول إن هذه التغيرات المحتملة قد تقلب المشهد السوري رأساً على عقب، مضيفاً أنه حتى في حال استمرار الحكومة الحالية، فإنه لا يرى وجود استراتيجية واضحة أو آليات محددة للإصلاح السياسي أو الاقتصادي، لا على المستوى الدستوري ولا السياسي ولا القانوني، وهو ما يعتقد أنه يترك عمل الحكومة والمنظومة الحاكمة من دون إطار مؤسسي واضح تستند إليه في تنفيذ سياساتها.
+963



