أزمات الداخل السوريتشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

الوطن أم المواطن؟/ بسام القوتلي

أبريل 14, 2026

قال الكاتب والفيلسوف البريطاني ألدوس هكسلي: “لا يمكن تحقيق استقرار المجتمع من دون تحقيق الاستقرار لأفراد هذا المجتمع”. هذه العبارة، على بساطتها، تختصر إشكالية كبرى في الفكر السياسي الحديث، وتضع الإصبع على جرح عميق تعاني منه مجتمعات كثيرة، وفي مقدمتها مجتمعاتنا العربية. فهي تطرح سؤال العلاقة بين الكل والجزء، بين الوطن بوصفه كياناً مجرداً، والمواطن بوصفه إنساناً حياً له احتياجات وحقوق وطموحات.

تميل الأنظمة الشمولية، تاريخياً، إلى رفع شعارات كبيرة من قبيل “الوطن أولاً”، “التضحية من أجل الوطن”، “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. غير أن هذه الشعارات، في معظم التجارب، لم تكن سوى غطاء أيديولوجي لتبرير سحق الفرد وحقوقه، وتحويل شعارات الوطن إلى وسيلة للسيطرة لا غاية بحد ذاتها. وغالباً ما كان المستفيد الحقيقي من هذه المعادلة هو الحاكم وحاشيته، بينما كان المواطن هو وقود الاستقرار المزعوم. ومع مرور الوقت، لا ينهار المواطن وحده، بل يتآكل الوطن نفسه، ويفقد الانتماء له أي معنى حقيقي.

شهد السوريون هذا المسار بوضوح خلال عقود حكم الأسدين، حيث رفع اسم الوطن عالياً، فيما جرى تدمير الإنسان السوري مادياً ومعنوياً. دفعت البلاد ثمناً باهظاً لهذه السياسة من الدم والخراب والعزلة، حتى وصلت إلى لحظة الانهيار. لكن المفارقة المؤلمة أن بعض السوريين، بعد السقوط، عادوا لترديد الخطاب نفسه، باعتباره “بديهيات وطنية” تشربناها في المدارس ووسائل الإعلام لعقود طويلة. غير أن كثيراً من “بديهيات الأمس” لم تكن أصلاً صالحة، وهي بحاجة إلى مراجعة جذرية وشجاعة.

السؤال الذي يتكرر دوماً هو: ما الذي يأتي أولاً، الوطن أم المواطن؟ وللإجابة عن هذا السؤال، من المفيد أن نفكك الطرحين بهدوء.

الوطن أولاً: يقول أنصار هذا الطرح إننا بحاجة إلى وطن قوي، قادر على الصمود في وجه التدخلات الخارجية، وعلى فرض الأمن والاستقرار في الداخل. وهذا كلام يبدو للوهلة الأولى منطقياً. لكن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه هنا هو: لماذا نحتاج إلى هذا الوطن القوي؟ وعند التعمق قليلاً، نجد أن الإجابة المنطقية هي: نحتاج إليه كي يوفر للإنسان الأمن، والاستقرار، وفرص العيش الكريم، ويفتح له الباب لتحقيق ذاته وتطوير قدراته. أي أن الغاية النهائية، حتى في هذا الطرح، هي الإنسان.

المواطن أولاً: ينطلق هذا الطرح من فكرة أن إطلاق حرية الإنسان وكرامته هو الشرط الأساسي لبناء وطن حقيقي. فالمواطن الحر، الآمن، المحترم، هو وحده القادر على بناء وطن يشبهه، ويشعر بالانتماء إليه. والسؤال الذي ينتج عن هذا الطرح هو: لماذا نحتاج إلى وطن نشعر بالانتماء له؟ والإجابة هنا أيضاً واحدة: لأن هذا الوطن، حين يكون ثمرة حرية مواطنيه، سيكون قادراً على إطلاق طاقاتهم، وتأمين أمنهم واستقرارهم، وخلق بيئة تسمح لهم بتحقيق ذواتهم.

في الحالتين، نصل إلى النتيجة نفسها: الهدف النهائي هو الإنسان. لكن الفرق الجوهري أن من يرفعون شعار “الوطن أولاً” كثيراً ما يتجنبون هذا السؤال، أو يتعمدون طمسه، كي يتحول الوطن إلى أداة فارغة تستخدم لتحقيق مصالح ضيقة على حساب المواطن. وهنا تنكشف ضحالة هذا الشعار حين يفرغ من مضمونه الإنساني. فالوطن الذي لا يصمم لخدمة مواطنيه، ينتج دولة هشة، مهددة دوماً من الداخل الناقم، ومن الخارج الذي يستغل هذا الاستياء لتحقيق مصالحه.

في المقابل، فإن فكرة “المواطن أولاً” لا تضعف الوطن كما يشاع، بل تؤسس له على أسس صلبة. الوطن الذي يحمي كرامة مواطنيه، ويضمن حقوقهم، ويعاملهم بوصفهم شركاء لا رعايا، هو وطن يصعب اختراقه أو تفكيكه. لكن ماذا نعني عملياً بفكرة “المواطن أولاً”؟ وكيف يمكن ترجمتها من شعار إلى تجربة حقيقية نعيشها؟

المواطن أولاً يعني الانتقال من الخطاب العاطفي والشعارات الرنانة إلى التركيز على احتياجات الإنسان الفعلية. يعني ضمان الحرية الشخصية، والحرية الفكرية والدينية، والحرية المدنية والسياسية، والحرية الاقتصادية والاجتماعية. هذه الحريات ليست ترفاً ولا امتيازات، بل منظومة واحدة متكاملة. أي مساس أو تأجيل أي جزء منها بحجة “الظروف” أو “احتياجات المرحلة الانتقالية”، يفرغ باقي الحريات من مضمونها، ويعيد إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة.

في النهاية، لا وطن بلا مواطن، ولا معنى لوطن يبنى فوق الخوف والقهر. الوطن الحقيقي هو ذاك الذي يشعر فيه الإنسان أنه في بيته، لا في سجنه. وحين نضع المواطن أولاً، فإننا لا نضعف الوطن، بل نعيد تعريفه على أسس إنسانية، حديثة، وقابلة للحياة.

الثورة السورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى