تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةمحطات

سوريا وبيت الطاعة السياسي/ رائد وحش

9 ابريل 2026

لا غرابة إطلاقًا في أن يريد من يعمل في السياسة أن يصل إلى السلطة، ولا حتى أن ينجح في الوصول إليها. هذا أساس العمل السياسيّ ومنتهاه بالنسبة للجميع. هذا منطقه وهذا مشروعه. السلطة هي القدرة على فعل الأشياء، يقول باومان، و”السياسة هي القدرة على تحديد الأشياء التي ينبغي فعلها”، كما يُتمم العبارة.

ما يثير استغرابي حقًا، واشمئزازي بالتوازي معه، هو ذلك الفنان الحسّاس الذي يظل يتحدث عن الحرية الفنية، وعن الصدق مع الذات، ثم ينتقل بهدوء وسلاسة للحديث عن “ضرورات المرحلة”.

ويثير استغرابي بالدرجة ذاتها تمامًا ذلك الصحافي الذي كان يُسائِل السلطة ثم تحول بين ليلة وضحاها إلى شخص يجيب عنها، من دون أن تطلب منه ذلك.

مثلهما ذلك الأكاديمي الذي كان يُحلل النظام الجديد ويحاول أن يُبيّن عواره، ثم فجأة، في نقلة درامية غير متوقعة، غدا جزءًا منه، بالمعنى الوجودي لا بالمعنى الوظيفي فقط، وهذا هو الشاق على الفهم.

هؤلاء من يثيرون الاستغراب فعلًا وقولًا. وتثير كل عبارة تخرج منهم الحيرة من أولها، مع أن الحيرة مع الوقت تفقد وهجها، إلا أنها مع هؤلاء تبقى طازجة، ليس لأنهم حصلوا على وظائف وانتهى الأمر، لكن لأنهم أعادوا صياغة أنفسهم كليًّا ليكونوا على مقاس هذه الوظائف.

أعرف شخصًا من هؤلاء زعم طويلًا أنه يرفض ما يعرضونه عليه. قال لي أمام شاهد آخر إنهم عرضوا عليه وظيفة كبيرة فرفضها كي لا يُحتسب عليهم، ثم عُرضت عليه أصغر منها فرفضها أيضًا، ثم قبل وظيفة ثالثة، لا هي كبيرة ولا صغيرة، بحيث يمكن لأي إنسان طبيعي أن يقبلها، كما قال.

لكنه منذ اليوم الأول فيها ابتعد عن كل أصدقائه الذين أظهروا موقفًا نقديًا من السلطة الجديدة. تغيرت لغته وصداقاته وطريقة حديثه عن الماضي، تغير حتى ما كان يعتبره “عقلانيًا” و”غير عقلاني”، ولم نكن سذجًا لنفهم أنه ما من وظيفة مما ادعاه قد عُرضت عليه، لكنها حيلة عمل من خلالها على تسويق ذاته، أو دعاية استعملها ليخلق جاذبية لنفسه، ونجح في النهاية في الحصول على الوظيفة المتوسطة التي يبدو أنه صاغ نفسه بالطريقة التي يكون فيها الشخص الذي يستحقها.

بعض الناس يذهبون إلى الشتيمة كحلّ نهائي للتعامل مع هذا النوع الغريب من الكائنات الطبيعية التي تصر على التحول إلى ذباب سلطة، وهو نوع تكاثر منذ خلاص سوريا من نظام الأسد. وعلى الرغم من أن الشتيمة كثيرًا ما تكون بليغة ومعبرة وفي محلها، إلا أنها لا تكفي لتفسير ما يجري، فالمشهد ليس مجرد انحطاط أخلاقي فردي فقط، تنتهي القصة فيه على عدد محدد من الشخصيات الفاسدة، إنما نحن في داخل منظومة كاملة لإنتاج الانحطاط بوصفه سلوكًا عقلانيًا سليمًا.

لا تحتاج السلطة، أي سلطة في العالم، من الفنان والكاتب والأكاديمي أن يكونوا موظفين بمقدار ما تحتاج إليهم مترجمِيْن. فإذا كان رجل الأمن قادرًا على أن يُخيف، والسياسي قادرًا على أن يُقرر، فلا يمكن لأيٍّ من هؤلاء الموظفين الطارئين أن يساهم في صنع القرار، بل عليه أن يكون موجودًا لأجل أن يُبرره ويُروجه وحسب.

وعلى هذا نرى مُمثِّل هذا النموذج يجعل من الهراء السياسي منطقًا طبيعيًا، ويُعطي للتناقض أبعادًا تجعله في مصاف الحكمة، ويذهب أبعد إذ يعطي رأيًا حاسمًا في أن مصادرة الرأي ضرورةٌ في بعض الأحيان، وهي للأمانة والدقة الأحيان كلها.

هذا هو دوره بالضبط. أن يمنح السلطة ما لا تملكه، أي تلك اللغة التي تجعلها مقبولة، وذلك المنطق الذي يمنحها اتساقًا وسياقًا. لكن ما تطلبه السلطة يتجاوز الترجمة كمجرد صورة تلقى إلى الجمهور. فما تحتاجه هو هندسة الأطر، أي أن تُصاغ الخيارات بطريقة تجعل ما يفعله المقررون فيها يبدو للناس خيارًا وحيدًا ممكنًا. حتى تكون فكرة “اضطررنا إلى كذا” لأنّ “المنطق يفرض نفسه علينا”، وليس لأننا “نريده” و”نصر عليه”.

تحب السلطة أن تحصل على الطاعة. لأنّ السلطة، بحسب تعريف ناصيف نصار، هي صاحبة “الحق في الأمر”، فمبدأها يستلزم آمرًا يصدر الأمر ومأمورًا يُطيعه.  ومن أجل ألا تبدو العلاقة تدور حول فكرة الطاعة، ستكون السلطة في غاية السعادة عند حصولها على من يجعلون من تلك الطاعة تأخذ شكل خيار عقلاني. ومن هذه النقطة اللعينة تولد تلك العبارات التي يجمع العقلاء على كراهيتها: “المرحلة معقدة”، أو “الوقت ليس مناسبًا للنقد”، أو “منطق الدولة يفرض”.

عملت الدولة الأسدية على تحويل النقابات والاتحادات والهيئات العامة إلى أدوات ضبط، ومنعت تشكّل أي حقول مستقلة وقوية، لذا حين سقط النظام الاستبدادي لم تكن ثمة بنية مدنية قادرة على استيعاب المثقفين والمهنيين بشكل طبيعي، ومنحهم دخلًا واعترافًا ومكانة خارج الدولة. وبسبب هذا الفراغ، صارت الدولة الجديدة موزّع الفرص والمكانة والأمان. وبات المنصب فيها بوابةً للظهور والاعتراف والتباهي، وليس مجرد وظيفة عامة. ولهذا بات، في بعض الأحيان، انتقامًا من حياة طالما وُصمت بالنكران والتهميش، ومع اكتساب المنصب شكل التعويض الوجودي ستتحول علاقة صاحبه معه إلى حراسة، لا إلى مجرد عمل يقوم به، ليثبت أنه حصل عليه عن جدارة.

لدينا ألف نموذج يُوضح أننا أمام نمط خاص مع سلطة في حاجة ماسة إلى واجهات. وفي عملية البحث عن هذه الواجهات لن يكون هناك أفضل من الوجوه التي تُجيد تغيير جلدها وملامحها ولغتها.

لا تتعلق المسألة بأشخاص فقدوا بوصلتهم على حين غرةٍ، ولا حتى بانتهازيين بالمعنى السطحي للكلمة. ما يحدث أعمق وأبعد بأشواط. نحن أمام لحظة يلتقي فيها فراغ الاعتراف مع فائض السلطة، فلا يكتفي الشخص بأن يعمل داخلها، بل يُحدد ماهيته من خلالها. حيث تصبح السلطة صيغة وجود بديلة عن كل ما لم يتحقق.

وحين يحدث ذلك يصبح النقاش معهم مستحيلًا. لأننا لا نجادل رأيًا بمقدار ما نمسّ هوية، ولا نواجه خطابًا بمقدار ما نهدد تماسك شخص أعاد بناء نفسه على هذا الأساس. ولهذا يدافع، وسيدافع، عن السلطة بضراوة من يدافع عن ذاته، ويحرس أبوابها بقسوة من يخشى أن يرى في مرآته القديمة وجهًا لا يُطاق بالنسبة إليه.

مكمن الخطورة أنّ هؤلاء يُكرسون نموذجًا يبدو من خلاله أن الشكل الطبيعي للعقلانية ليس سوى تبرير ما هو كائن، من خلال تسمية النفاق حكمة، والانحناء والخضوع نضجًا، وحين يأتي الوقت الذي تغدو فيه هذه هي المبادئ العامة، واللغة السائدة، فلن تحتاج السلطة إلى ذباب جديد، لأن الجميع تعلموا الطنين على أصوله.

الترا صوت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى