هل نجحت محاولات فدرلة سورية-لبنانية بين 1919 و1920؟/ فارس الذهبي

الأربعاء 2026/04/15
بين أواخر الحرب العالمية الأولى وصيف 1920 لم تكن صورة المشرق قد استقرت بعد على الصيغة التي ستُعرف لاحقًا بلبنان الكبير المنفصل عن سورية. ففي تلك المرحلة الانتقالية، وبين الاحتلال العسكري للحلفاء وتنافس المشاريع المحلية، طُرحت أكثر من صيغة سياسية لتنظيم العلاقة بين دمشق وجبل لبنان وبيروت والبقاع. ومن بين هذه الصيغ برز مشروع وسط، لم يكتمل لكنه يستحق الانتباه، لبنان أوسع أو لبنان كبير، يتمتع بحكم ذاتي داخل سورية موحدة أو داخل فدرالية سورية. وتظهر دراسة كارلا إدّه(*) أن هذه الفكرة كانت موضوع مفاوضات فعلية جرت في بيروت في ربيع 1919، وبرعاية فرنسية غير مباشرة، قبل أن تنهار تحت وطأة تناقضات الأطراف المحلية وتبدّل الحسابات الفرنسية نفسها.
تنبع أهمية هذه المحاولة من أنها تكشف أن ولادة لبنان الكبير بصيغته المنفصلة لم تكن حتمية منذ البداية. فإدّه ترفض القراءة التي تجعل قيام لبنان الكبير مجرد تنفيذ مباشر لسايكس-بيكو أو ترجمة تلقائية لمطلب لبناني ثابت. وتوضح أن فرنسا نفسها لم تكن قد حسمت الصيغة النهائية في 1918 و1919، وأنها كانت تستخدم المطالب اللبنانية الكيانية ورقةً في تفاوضها مع التيار السوري الوحدوي ومع فيصل. وفي هذا السياق بالذات ظهرت فكرة “الوحدة السورية مع لبنان ذاتي أو موسّع”، دون اعتبارها تنازلًا نهائيًا من طرف لآخر، لكن على أنها حلًا انتقاليًا يحاول الجمع بين مطلب السيادة السورية ومطلب الخصوصية اللبنانية.
في أيار وحزيران 1919 رعت السلطات الفرنسية، بصورة غير رسمية، اجتماعات تقارب في بيروت بين شخصيات من المعسكرين. وتورد كارلا إدّه أن المشاركين كانوا من أبرز الوجوه المعروفة في المجالين اللبناني والسوري. فمن الجانب اللبناني الكياني أو القريب من هذا الاتجاه شارك حبيب باشا السعد، رئيس مجلس إدارة جبل لبنان، وألفرد سرسق، وبترو طراد من لجنة مسيحيي بيروت. ومن الجانب السوري الوحدوي أو القريب من حكومة فيصل شارك الأمير أمين أرسلان، أحد مستشاري فيصل، وسليم علي سلام، ورياض الصلح، وعارف النعماني، كما شارك الأب يوسف إسطفان، معاون مطران بيروت، وكان يُنظر إليه بوصفه قريبًا من فيصل. هذا التشكيل المختلط يبيّن أن المفاوضات كانت محاولة حقيقية لبناء أرضية مشتركة بين نخب متعارضة المشروع.
لبن.jpg
الغاية المعلنة من هذه الاجتماعات كانت، وفق الصيغة التي تنقلها إدّه عن الصحافة المعاصرة، التوفيق بين استقلال لبنان الكبير ومصلحة سورية بصورة ترضي الطرفين. وبعد نقاشات طويلة، تبلور في البداية تصور يقوم على عدم فصل لبنان عن سورية، مع منحه استقلالًا إداريًا تامًا. ثم شُكّلت لجنة لمتابعة صياغة اتفاق نهائي. لكن عندما امتنع معظم المسيحيين المشاركين عن الانضمام إلى لجنة الصياغة، باستثناء الأب يوسف إستفان، ظهر اقتراح أكثر تحديدًا وأكثر جرأة وهو مقترح لبنان كبير ذاتي داخل الفدرالية السورية. وتنسب إدّه هذا الاقتراح، في صيغته الأوضح، إلى عارف النعماني ويوسف إسطفان. والمعنى هنا شديد الدقة، لم يكن المقصود لبنانًا جبليًا صغيرًا ملحقًا بدمشق، بل “لبنانًا كبيرًا” مع قدر واسع من الذاتية، غير منفصل نهائيًا عن الإطار السوري.
هذه الصيغة لم تكن بعيدة من بعض ما ظهر في المجال العام آنذاك. فتقرير لجنة كينغ-كرين، الذي رصد برامج العرائض السياسية في المنطقة العام 1919، يميز بين ثلاثة برامج سياسية لبنانية، برنامج لبنان الكبير المستقل تحت فرنسا، وبرنامج لبنان المستقل من دون طلب انتداب فرنسي، وبرنامج لبنان الذاتي الذي يطلب لبنانًا أوسع بوصفه ولاية أو إقليمًا ذاتيًا داخل دولة سورية موحدة. وقد أحصت اللجنة، 49 عريضة تنتمي إلى هذا البرنامج الثالث، وهو رقم لا يكفي لاعتباره الاتجاه الغالب، لكنه يكفي لإثبات أن فكرة الفدرالية أو الذاتية ضمن الوحدة السورية كانت موجودة فعلًا في التداول السياسي، ولم تكن اختراعًا متأخرًا لقراءة تاريخية لاحقة.
في الوقت نفسه، لم تكن فرنسا ترعى هذا المسار بدافع توفيقي خالص. فإدّه تنقل عن بيكو أنه كان يسعى، من وراء الستار، إلى الترويج لصيغة توفيقية تجعل التعاون الفعلي مع فرنسا ووجود قواتها شرطًا لانضمام لبنان إلى فدرالية سورية. وهذا يعني أن باريس لم تكن تدفع نحو فدرالية متوازنة بقدر ما كانت تريد فدرالية مشروطة بهيمنتها. بكلمات أخرى، كان الحل الفدرالي مطروحًا من البداية داخل إطار فرنسي، لا خارجَه؛ وكان المقصود منه احتواء الوحدويين السوريين وطمأنة بعض اللبنانيين في آن واحد، من دون التخلي عن النفوذ الفرنسي بوصفه المرجع الأعلى.
GettyImages-605683160.jpg
أما ردود الأفعال في المناطق التي ستصبح لاحقًا “الأقضية الأربعة” فتكشف أن الساحة المحلية لم تكن ذات رأي واحد. فعندما زارت لجنة كينغ-كرين الأميركية لاستطلاع آراء شعوب المنطقة حول مستقبلها، قصدت البقاع في حزيران وتموز 1919، وتقول إدّه إنها وجدت هناك أول صدام واضح مع وضد الإلحاق بلبنان الكبير. وتنقل، استنادًا إلى مصدر فرنسي، أن أول اتصال بين مبعوثي اللجنة والسكان في بعلبك كان (أكثر ملاءمة للمصالح الفرنسية مما كان متوقعًا)، لأن مخاتير القرى المسيحية و”المتاولة” أي الشيعة، حضروا بأعداد كبيرة ليعلنوا رغبتهم في الإلحاق بلبنان بمساعدة فرنسا. هذه الشهادة لا تعني أن جميع سكان البقاع أو الأقضية الأربعة كانوا مع الضم، لكنها ذات أهمية لأنها تظهر أن جزءًا من المخاتير المحليين، ومنهم مخاتير شيعة ومسيحيون، رأى في الالتحاق بلبنان المرتبط بفرنسا خيارًا مقبولًا أو مفيدًا في تلك اللحظة.
غير أن هذا ليس سوى نصف الصورة. فإدّه تضيف مباشرة أن الغالبية الكبرى من التجمعات المسلمة، السنية والشيعية والدروز، كانت تؤيد “برنامج دمشق”، أي السيادة والوحدة السورية في حدودها الطبيعية، مع رفض الاستقلال المنفصل للبنان الكبير تحت فرنسا. كما تشير إلى أن العرائض المحلية والفرنسية المحفوظة تُظهر أيضًا وجود مطالبات من شخصيات وجماعات سنية وشيعية ودرزية باستقلال سورية ضمن حدودها الطبيعية، إلى جانب عرائض أخرى تقبل بانتداب فرنسي، لكن إما في إطار وحدة سورية أو ضمن لبنان الكبير، مع اشتراط احترام السيادة الوطنية. وتوضح كذلك أن النخب الدرزية في الشوف وحاصبيا-راشيا وحوران كانت منقسمة، وأن الأرثوذكس في صور وحاصبيا-راشيا وبيروت وطرابلس-الكورة وبعلبك ودمشق وحلب كانوا منقسمين أيضًا. أي أن البقاع وحاصبيا وراشيا كانت فضاءات محلية متشعبة الولاءات والحسابات.
وهذا التعقيد يظهر بجلاء أكبر في أرقام لجنة كينغ-كرين. فمن بين عرائض OETA West رصدت اللجنة 139 عريضة تؤيد “لبنان الكبير المستقل تحت فرنسا”، و49 عريضة تؤيد “لبنان الذاتي داخل دولة سورية موحدة”. وفي المقابل، سجّلت 1062 احتجاجًا على استقلال لبنان الكبير المنفصل، كما ذكرت أن 33 وفدًا لبنانيًا، من المسلمين والمسيحيين معًا، طلبوا حكمًا ذاتيًا للبنان داخل دولة سورية بسبب الخشية من المستقبل الاقتصادي للبنان المنفصل. وتلفت اللجنة أيضًا إلى أن البقاع كان يُعدّ عادةً جزءًا من لبنان الكبير، لكن 11 عريضة فقط شددت على ضرورة ضمه صراحة، فيما طلبت 8 عرائض أن يبقى ضمن منطقة دمشق. هذه الأرقام لا تحسم الجدل لصالح طرف واحد، لكنها تبرهن أن الصيغة الفدرالية أو الذاتية لم تكن هامشية، كما تبرهن أن ضم الأقضية لم يكن تعبيرًا عن إجماع محلي.
لماذا سقطت الفكرة إذن؟ لا يبدو دقيقًا ردّ ذلك إلى “رفض الثوريين السوريين” إذا أُريد بهذا التعبير توصيفًا علميًا. التسمية الأدق في هذا السياق هي “الوحدويون السوريون” أو “أنصار برنامج دمشق”، لأن النزاع كان يدور حول شكل السيادة وبنية الدولة أكثر مما كان يدور حول العمل الثوري بالمعنى الضيق. وهؤلاء الوحدويون لم يرفضوا كل صيغ اللامركزية من حيث المبدأ، بل كان في داخل خطابهم قبول بحكومة غير مركزية، كما يظهر في تقرير كينغ-كرين.
لكن الأكثرية منهم قدّمت السيادة السورية على الوحدة المشروطة بفرنسا، ورفضت أن تتحول الفيدرالية إلى غطاء للهيمنة الفرنسية أو إلى فصل تدريجي للبنان عن سورية. لهذا رفضت حكومة دمشق، رغم متابعتها للاجتماعات وتشجيعها، الصيغة التي اقترحها النعماني وإسطفان. وفي المقابل، رفضها أيضًا الكيانيون اللبنانيون المشاركون في المفاوضات لأنهم لم يريدوا في نهاية المطاف كيانًا لبنانيًا مرتبطًا سياسيًا بسورية، ولو بصيغة فدرالية. وبذلك سقطت الفكرة من الجانبين معًا، وإن لأسباب مختلفة: الوحدويون أعطوا الأولوية للسيادة، والكيانيون أعطوا الأولوية للانفصال أو للحماية الفرنسية.
إلا أن سقوطها النهائي لم يحصل بمجرد فشل الاجتماعات. الذي حسم المسار هو انتقال فرنسا نفسها من التلويح بالفدرالية إلى فرض الأمر الواقع. فبعد ميسلون في 24 تموز/يوليو 1920، لم تعد باريس في حاجة إلى حلول وسط مع حكومة فيصل. وهنا ترى إدّه أن فرنسا احتاجت إلى إشارة قوية تعيد تثبيت تحالفها مع حلفائها المحليين، ولا سيما المسيحيين والكيانيين اللبنانيين. فكان إنشاء لبنان الكبير، بعد ربط البقاع وحاصبيا-راشيا به، بمثابة تجديد لهذا التحالف وإظهار ملموس لفائدته، فرنسا تعطي حلفاءها دولة أوسع مما كان يمكن أن يحصلوا عليه من تفاهم مع السوريين. ومع ذلك، تلاحظ إدّه أن غورو نفسه لم يغلق الباب نهائيًا بعدئذ، إذ أوحى في مطلع 1921 بأن الفدرالية السورية-اللبنانية قد تبقى ممكنة بشروط معينة. غير أن ذلك لم يعد، في الواقع، مشروع تسوية متكافئة، بل احتمالًا ثانويًا داخل نظام صنعته فرنسا على قاعدة كيانات منفصلة شبه نهائية.
والنتيجة أن فكرة الفدرالية السورية-اللبنانية سقطت بسبب التقاء ثلاثة عوامل. أولها أن الحل الفدرالي نفسه كان غامضًا ومحمّلًا بتصورات متناقضة، ذاتية لبنانية عند بعضهم، وسيادة سورية غير قابلة للتفكيك عند بعضهم الآخر، وهيمنة فرنسية مشروطة في الرؤية الفرنسية. وثانيها أن القوى المحلية الأساسية لم تلتقِ على معنى واحد للفدرالية: الكيانيون اللبنانيون لم يقبلوا أن يكون لبنان الكبير مجرد وحدة ضمن سورية، والوحدويون السوريون لم يقبلوا أن تكون الوحدة مشروطة بالقوات الفرنسية أو بانتقاص السيادة. وثالثها أن فرنسا، بعد ميسلون، وجدت أن حسم الحدود وإنشاء لبنان الكبير المنفصل أنفع لمصالحها من الاستمرار في تسوية وسطية. ومن هنا فإن الفيدرالية لم تُهزم فقط برفض الوحدويين أو برفض الكيانيين، بل غلبتها في النهاية الفكرة الفرنسية حين تحولت من ورقة تفاوض إلى مشروع تقسيم فعلي.
(*) كارلا إده، “نشأة الدولة اللبنانية (1918-1920): التعلّم الصعب للانقسامات والمفاوضات “الوطنية”” (Genèse de l’État libanais (1918-1920) : Difficile apprentissage des dissensions et des négociations “nationales”, مجلة Travaux et Jours، العدد 96، جامعة القديس يوسف في بيروت، 10 حزيران/يونيو 2020، ص. 21–43. وانظر خاصةً القسم المعنون: «وحدة سورية أم لبنان الكبير؟» (Unité syrienne ou Grand Liban ?.
المدن



