موسيقا

من أم كلثوم إلى بوكلثوم/ نبيل محمد

على يوتيوب أو ساوند كلاود أو سبوتيفاي أو أي منصة مختصة بالنشر الفني تخضع قائمة الأغاني المفضلة لدى جيل عربي جديد لتحديثات دورية، وربما يومية لدى المهتمين بالموسيقى، يُستبدَل القديم بالحديث.. الحديث المواكب لجملة من التغييرات التي طرأت على حياة هذا الجيل، والذي وجد نفسه خلال السنوات العشر الأخيرة التي كانت واحدة من أخصب مواسم الهجرة إلى الغرب، وقد غيّر تفاصيل شتى في حياته، لا تبدأ بمكان الإقامة ولا تنتهي بذائقته تجاه والفن والكتاب والطعام أيضاً. بات احتمال أن تسمع من غرفة شريكك في السكن «لا تنسوها، ورودكن جوانا و ما تسقوها» لبوكلثوم أكبر من احتمال سماع «بعيد عنك حياتي عذاب» لأم كلثوم، في زمن باتت فيه قصة الحب التقليدية في الأغنية العربية لا تشبع من اختلفت ذائقته إثر موجة انقلابات حياتية عاصفة، غيرت شكل الرسالة الفنية ومضمونها، وكذا شخصية المرسل والمتلقي ووسيلة الاستماع.

«البديل» مصطلح عابر لطيف واسع الحقول، فيكون البديل سياسياً أو نقابياً أو اقتصادياً أو ثقافياً وفنياً، هو مصطلحٌ يفترض وجودَ ثابت تقليدي كلاسيكي، لا يواكب الحداثة، ولا يلبي متطلبات تفرضها وقائع معاصرة وذائقة أجيال تنشد جديداً في كل شيء.. جديد قد لا يوصّف بشكل دقيق مشكلته مع القديم، لكنه يحمل مفهوم الرفض للقوالب الجاهزة، التي كانت مشكلتها الأساسية أنها موسومة بوسم الطبقة السياسية التقليدية، وبشكل أكثر تجريداً الديكتاتورية التي تلغي قبول الجمهور الجديد لكل ما ولد في كنفها، إذ يشعر بأنها مفروضة عليه، تنبذه إذا اعترض عليها، تسمه بالخيانة إذا ما رفضها، حتى وإن كانت أغنية.

لا يوجد جواب واضح للسؤال الأهم في معرض الحديث عن «الموسيقى العربية البديلة». بديلة عن ماذا؟ عن قوالب الموسيقى التراثية؟ عن آلات التخت الشرقي؟ عن سلطة الكلمة على اللحن؟ عن شكل الإنتاج التقليدي للفن؟ إلا أن الواضح والأكثر تعبيراً عن هذه الموسيقى هو مصطلح الاستقلالية، وتبعيتها للخيارات المفتوحة للمؤلف، وإمكانية الثورة فيها على كل شيء، إمكانية أن لا تحمل الكلمات معاني محددة، وأن لا تحترم الموسيقى الذائقة العامة.. هل هناك أصلاً ذائقة عامة واحدة؟

كلمة بديل، لا تقنع حتى بعض العاملين في مجال إنتاج الموسيقى المستقلة، فأمين خاير مثلاً، مؤدي ومنتج ومؤلف في فرقة شكون ذائعة الصيت لدى عشاق الموسيقى الإلكترونية يرفض وسم الموسيقى التي تقدمها فرقته بأي اسم بحسب شهادته لموقع الجمهورية، هي «موسيقى» فحسب، فالتراث وآلات التخت الشرقي لا بديل لها، وما يتم هو إدخال عناصر جديدة من تراث مختلف وبيئة مختلفة، وبإدخال هذه العناصر سيتشكل مزيج جديد، وهو ما تعمل فرقة شكون عليه من خلال مزج لونين من طابعين مختلفين.

لا يبدو أنّ هناك هويةً واحدة تنتظم إنتاج الموسيقى العربية البديلة أو المستقلة، تراها تتشرّب من الجاز والراب والروك والفانك، وتجرّب مختلف أصناف الموسيقى الالكترونية، متيحةً لمن يتبناها ما شاء، من محاكاة الموسيقى الغربية، إلى تجريب كل ما يخطر في باله من مزاوجات، وصولويات، وتكرير التراث بأشكال جديدة، والكتابة والعزف، وهو أيضاً ما زاد الرث في الإنتاجات المستقلة بشكل طبيعي متوقّع، دون أن تترافق زيادة الكمّ بزيادة نوعية دائماً. لكن ذلك سهّل بالمجمل الانعتاق من أشكال الإنتاج التقليدية، ورجّح إمكانية الإنتاج الفردي، بالاعتماد على الذات فقط، وعلى وسائل النشر الحديثة، كاليوتيوب والسبوتيفاي والساوند كلاود وسواها من المنصات التي تتيح التواصل مع الجمهور دون قيود، وتتيح أيضاً امتهان الفن بعيداً عن الشروط التقليدية.. ولعل هذه هي الصفة تبدو أساسية في الموسيقى البديلة، كونها استبدلت شروط الإنتاج، بـ«اللاشروط»، وحررت الموهبة «في حال وجودها» من مأساة انتظار تلك الإذاعة أو هذا التلفزيون، أو شركة الإنتاج التي بلا شك باتت بحاجة إلى أي بديل على المستوى العربي.

يقول خاير، الذي يتّجه حالياً مع فرقته شكون نحو إنتاجات جديدة قريباً، إن شركات إنتاج الفن التقليدية تتحكم بتفاصيل عمل الفنان، تتدخل بكل تفاصيل الموسيقى التي ينتجها الفنان، تفرض آلات وتلغي أخرى، لذا فالأفضل بالتأكيد هو الاستقلالية، «تلك الاستقلالية في إنتاج الموسيقى هي أكثر ما يشعرك كفنان بأنك حر».

ضريبة تلك الاستقلالية في المقام الأول، هي عدم وجود مورد مالي واضح ومحدد ووفير كشركات الإنتاج التي عادةً ما تفي الفنان حقوقه المالية، بل وتغدق عليه في حال شهرته أو شهرة إحدى أغانيه التي أنتجتها، إلا أن الإنتاج المستقل لا يوفر ذلك بهذا الشكل.. لكن تجربة شكون على سبيل المثال تثبت أنه يمكنك كموسيقي أن تؤمّن تكاليف حياتك المادية بهذا الشكل من الإنتاج، فالحفلات التي تحييها الفرقة قادرة على كفايتها، وقادرة على تشجيعها على البدء بمشاريع صغيرة جديدة قابلة للتوسع في المستقبل.. يقول أمين خاير: «شركات الإنتاج الفني التقليدي لن تسمح لنا أن نعيش براحة، سيأخذون الجَمَل كلّه ولن يعطوننا إلا أقل من أذنِه.. هي مغامرة في النهاية قد تربح أو تخسر، وأمام ذلك أكمل أنا مثلاً دراستي الأكاديمية لكي لا أكون مجبراً على الاعتماد على الموسيقى فحسب ويكون لدي خطة أخرى في حال لم يستمر المشروع». 

بعيداً عن الشكل وتفاصيل الإنتاج، ومع بداية ثورات الربيع العربي، خاض الشباب العربي في بلدان عدة تجربة تصدّر المشهد، بعيداً عن سلطة النظام السياسي العربي الذي كان سباقاً في إخضاع أي تجربة جديدة تسعى للاستقلالية لسلطة مؤسساته وفعالياته، كونه الأقوى والأقدر على الإنتاج والدعم المالي، حيث من السهل استذكار عشرات التجارب الموسيقية التي كانت تنشد الجدّة والاختلاف، والتي استطاعت الأنظمة السياسية تدجينها ومنحها المنصات لتغني على إيقاع السلطة. لكن المنصات الحديثة ضاربت على وسائل الميديا التقليدية الخاضعة لسيطرة الأنظمة، مما أدى لتكوّن ثورة موضوعية على الفن، وهنا تكمن النقطة الأساسية في الفن البديل، أي الثورة على الثابت، المتمثّل بالفن التقليدي سواء كان ابن التراث أو ابن الثمانينات والتسعينات أو الفيديو كليب الموسوم بمجموعة شركات ضخمة كروتانا وبمجموعة أسماء يكررون الرقصات ذاتها منذ سني شبابهم الغابر، غالبية منتجات هذه الفنون التي كانت تحيط يوميات المواطن العربي من منزله إلى وسيلة النقل فالعمل فالمقهى، تجل وتحترم السلطات السياسية ومعاييرها بشكل يتراوح بين غير المباشر والمباشر الفاقع، تعبّر ضمن نطاق مرسوم لها، نطاق تحوّل بشكل طبيعي وبالتقادم إلى نطاق أخلاقي، من يشذ عنه فقد شذ عن الأخلاق، لا موضوعات في هذا الفن إلا التي تحترم الذائقة التي كونتها الأنظمة العربية بشكل أو بآخر، حبيب مولّه، ذكر متعال، أنثى تابعة، وطن عظيم.. لا مكان لأن تكره وطنك مثلاً في الفن العربي التقليدي – أوليس من حقك أن تكره وطناً تشعر بالجوع أو تعيش فيه البطالة مثلاً؟  لا مكان لمثليي الجنس، لرفض العنف، ولعل تلك التجارب النادرة التي غيّرت في نمطيات الفن العربي كتجربة «شيخ إمام» مثلاً كانت وبلا شك البذرة الأولى لخلق البديل.

    بس تتجرأ بسؤال ..

    عن تدهور الأحوال..

    بسكتوك بشعارات..

    عن كل المؤامرات..

    خونوك القطيع كل ما طالبت بتغيير الوطن..

    يأسوك حتى تبيع حرياتك لما يضيع الوطن..

    قالولك حاج تبشر تع رقصني شو

(من أغنية للوطن لمشروع ليلى)

يواجه مشروع ليلى، وشب جديد، وكايروكي، وشكون، وبوكلثوم، وسايكاليبو وسواهم كثيرون، قطاعاً كبيراً من الجمهور الذي يرفض هذه الأشكال الجديدة من الفن، يراها انحرافاً أحياناً، وتتفيهاً للكلمة أحياناً أخرى، بل هم لدى كثيرين جزء من مؤامرة غربية لتدمير الثقافة العربية الأصيلة، وهو ما يحرمهم بالتأكيد من إمكانية الحصول على فرص الإنتاج والدعم من قبل المؤسسات الإعلامية والثقافية التقليدية، لدرجة حرمان بعضهم من تقديم حفلات في بعض الدول العربية، وهو ما يجبرهم على الاتجاه إلى المنح الفنية والثقافية الغربية، وصناديق تمويل المشاريع التي تسهم دول ووكالات أجنبية فيها، وهو بالتأكيد ما يعزز صورتهم كجزء من المؤامرة.. فيما تحفظ لهم وسائل التواصل ثقتهم بأنفسهم وإصرارهم على استكمال مشروعاتهم، بوجود جمهور غفير ينتظر كل جديد منهم، ليصبحوا بلا شك منافسين أشداء على ساحة الفن العربي، بجهودهم الفردية ولغاتهم الخاصة في التعبير، تلك اللغات التي بات لها جمهور عريض قد لا يكون متجانساً .. جدير بالذكر هنا تجربة الفلسطيني «شب جديد» الذي اعتمد شكلاً جديداً من «الراب» غير التقليدي – يغلّب المؤثرات على الصوت الحقيقي للمغني – والذي يختصر المشهد السياسي والاجتماعي بكلمات تبدو مشتتة لكنها قادرة على الانتشار والتأثير. أغنية «إن أنّ» حققت أكثر من 27 مليون مشاهدة على موقع يوتيوب في فترة لا تزيد عن خمسة أشهر، وتجربة فرج سليمان في ألبوم «أحلى من برلين» حيث أعطى الكلمة دوراً أساسياً في التعبير عن «الحنين» لتفاصيل الحياة في الوطن، في قالب موسيقى الجاز نادرة الحضور في المنتج الموسيقي العربي الحديث، ليحوز الألبوم جماهيرية واسعة.

يقول أمين خاير: «جمهورنا هو جيلنا الذي نعيش معه، باختلاف الألوان والأعراق والجنسيات، نختلف عن بعضنا لكننا نعيش المشكلات الاجتماعية ذاتها، من يسمعنا هو من يعرف مشاكلنا ويشعر بنا».

في فرنسا وألمانيا والدنمارك وهولندا وتركيا ولبنان والأردن وغيرها أحيت شكون عشرات الحفلات، الفرقة التي بدأت كمشروع صغير حمله لاجئ سوري ترك بلاده بحثاً عن مكان آمن للحياة، فوصل إلى ألمانيا والتقى فيها موسيقياً ألمانياً (ثوربن بيكن) سنة 2015 فاتفقا على العمل سويةً، فكانت شكون، وبشكل مشابه نشأت غالبية الفرق العربية الجديدة في الخارج، وباتت تشكل خارطة الإنتاج الموسيقي العربي المستقل.

أكثر من عشر سنوات مرّت ازدادت معها صعوبة تحديد معالم الهوية الأيديولوجية الجديدة للملايين من الفئة الشابة العربية في بلادها وفي المغترب الذي أصبح وطناً للكثيرين أو ربما للذين لازالوا يؤمنون بفكرة الوطن التي هي بدورها باتت ضرباً من التراث المكرور بالنسبة للكثيرين، الاختلاف بشتى مستوياته هو المعلم الأوضح لتك الهويات، اختلاف مع الماضي «التراث»، اختلاف بينيّ مع أفراد الفئة الواحدة، اختلاف حاد كانت واحدة من مبرراته هي رفض ثقافة التشابه التي كانت سائدة قبل سني الربيع العربي، بالتوازي معه تبدو مجمل الهويات المرافقة غير واضحة، من الثقافة العامة إلى الموسيقى إلى طبيعة الحياة ومتطلباتها.. ولعل هذا الاختلاف أنتج شكلاً من التنوع واحدة من أسرع وسائل التعبير عنه هي الموسيقى، التي كلما اضطربت وتغيرت الهويات الفكرية ازدادت ارتباطاً بالذات واستقلالاً عن الرعاة.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى