نقد ومقالات

بورخيس في تجربة العمى.. عذابات الشاعر الضرير/ بشير البكر

العمى عند الشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899 ـ 1986) كابوس طويل متواصل، ومتاهة مفتوحة على اختلاط الأحلام والذكريات، وتداخل الواقعي بالخيالي بلا حدود فاصلة. أصابه هذا المرض على نحو تدريجي وهو في عمر الخمسين، حتى فقد بصره كليًا. ورغم أن هنالك أكثر من سابقة في العائلة، حيث سبقه والده، وجدته، فإن وقعه عليه كان قاسيًا. وصارت هذه الإعاقة بمثابة سجن للكاتب، الذي عرف الأدب منذ بدايات شبابه، كشاعر وقاص وناثر.

لا أعلم أي وجه يبادلني النظر

حين أنظر إلى وجهي في المرآة.

هذان الشطران من قصيدة له بعنوان “أعمى”، والذي يتكرر كثيرًا في أعماله. وكمن يشخص الحالة على نحو سريع، يقول في قصيدة أخرى عنوانها “الرجل الأعمى”: “أن تحفظ الصيغة دون أن تحفظ الإحساس.. أن تكون سجينًا.. أن تترنح في زمن يشبه حلمًا.. وألا ترى غير الكوابيس”. وفي لحظة مصالحة، وصف بورخيس عماه بأنه كان متواضعًا، وأنه ليس حالة درامية على نحو خاص. وقال في محاضرة عنونها بـ”سبع ليال ـ العمى”، وألقاها في بوينس أيرس عام 1977: “إعتام بطيء استمر لأكثر من نصف قرن”، غير أنه رأى في العمى سجنًا وكابوسًا متواصلًا. وفي مكان آخر، يشرح “العمى ليس هو الظلام الذي يتخيله الناس”، بل هو لحظة قاسية تجلت حينما أعاقه فقدان بصره عن القراءة والكتابة، ولم يعد يفرق بين عناوين الكتب، إلى حد أنه صار يشتاق لأن ينعم بالظلمة الكاملة.

عنون أحد أهم دواوينه بـ”مديح العتمة” (نقله إلى العربية المترجم والناقد المغربي إبراهيم الخطيب). وهذا العمل كتبه بورخيس في الفترة من 1967 إلى 1969، واعترف بأن عنوانه يحمل بعض السخرية من حالته، التي تفترق وتلتقي مع حال شعراء آخرين. ومن يتعمق في نصوص بورخيس يجد لديه تقاطعات كثيرة مع الشاعر أبو العلاء المعري. بورخيس ينظر إلى العالم بوصفه كتابًا كبيرًا لم نتوصل بعد إلى فك رموزه وألغازه، لا بل إنه يذهب أبعد من ذلك، فيرى أن الفردوس في حد ذاته ليس سوى مكتبة هائلة تتجمع فيها كل أشكال الزهور والحدائق المعرفية، وهو ما يجعل بعضهم يعتقد بأن الكاتب الأرجنتيني ربما يكون بشكل أو بآخر قد اقتبس فكرته تلك عن سلفه العربي، أبي العلاء المعري، الذي رأى في “رسالة الغفران” بأن الجنة المنتظرة ليست سوى نادٍ أدبي كبير. ومن بين المعاصرين العرب، يبقى طه حسين أقرب فعليًا إلى بورخيس، وما يجمع بينهما ليس فقط العمى وسيرته، فكلاهما كتب الشعر والقصة، ومارس النقد الأدبي، ودرّس في الجامعة. واشترك معه في توصيف العمى بالسجن، وكلاهما تواصل مع المعري بشكل أو آخر، وعليه كتب طه حسين كتابه “مع أبي العلاء في سجنه”، وجاء بمثابة مشاركة نقدية ووجدانية لظروف كليهما.

معضلة بورخيس أنه أصيب بالعمى متأخرًا، وليس منذ الولادة، وهذا ما جعل من تألمه من الإعاقة أمرًا صعبًا، بعد أن قرأ بعينيه كتبًا كثيرة، وشاهد البلدان البعيدة عن مسقط الرأس، بوينس إيرس، ونشأت علاقات بين العيون والأشياء، ثم فقد البصر بالتدريج، ولكن بعض عزائه أنه أصيب بالعمى في فترة كان فيها قد أنجز قدرًا كبيرًا من مشاريعه الخاصة في الكتابة، وتعلم اللغات، مثل الفرنسية والإنكليزية، وصولًا إلى اللاتينية، وأنهى العديد من أعماله الهامة التي أثرت في أدب أميركا اللاتينية. وفي ما يتعلق بهذه المسألة، هنالك اختلاف من حوله؛ هنالك من ينكر تأثيره، مثل الأرجنتيني خوليو كولتاثار، صاحب رواية “الحجلة”، الذي رأى أن “بورخيس حاول تقليد السورياليين من شدة إعجابه بهم، لكنه فشل؛ بينما نجح في المقابل في إيجاد سوريالية محافظة خاصة به، وهذه السوريالية البورخيسية تعني دومًا السباحة في العدميّة ثأرًا منها”. وذلك على عكس الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس، الذي يعترف بأنه “لولا نثر بورخيس لما كانت هنالك رواية أميركية لاتينية”. وربما كانت القيمة الإضافية لصاحب “مديح الظل”، و”كتاب الرمل” متمثلة بشكل أساسي في كونه أعاد الاعتبار لمفهوم المثقف الموسوعي، الذي يطل على كثير من المعارف والعلوم والحضارات إطلالة الرائي المتبصر، لا السائح الجوال.

تتنوع المقاربات، وتتعدد زوايا النظر، إلى الظاهرة البورخيسية، التي شكّلت واحدة من أبرز الظواهر المعرفية في القرن العشرين. إلا أن الفارق أكيد بين كتابته مبصرًا وكتابته ضريرًا. ومن يحاول أن يجري دراسة مقارنة على هذا الأساس، سيجد أن نصوص بورخيس الأخيرة مالت أكثر نحو التأمل، أو ما يسميه هو “الصيغة والإحساس”. وفي بعض قصصه، هنالك أثر لأعمى بورخيس الذي يملي، ويمكن من خلال بعض القصص رسم مخطط بياني لمسار العمى، ذلك أن بعض القصص تقدم نفسها باعتبارها مجازًا عن العمى، مثل القصة الرابعة في كتابه “المرايا والمتاهات”، بعنوان “بحث ابن رشد”، وجاء فيها “إن قصتي كانت رمزًا للرجل الذي كنته حينما كنت بصدد كتابتها، وإنني بغية إملاء هذه القصة كان علي أن أكون ذلك الرجل، ولكي أكونه كان علي أن أملي تلك القصة، وهكذا إلى ما لانهاية”. وتبدو صور العمى متناثرة في القصة المكونة من ثلاثة أجزاء: ابن رشد في بيته، ثم في مجلس فرج عالم القرآن، وأخيرًا عودته إلى البيت. وفي بيته يعود إلى كتاب المحكم للأعمى بن سيدة، ويفتح أيضًا كتاب العين. لا شك في أن مجرد هذا الاسم يوحي لبورخيس بمجاز العمى. وحين يرى ابن رشد ينظر من فوق من شرفته إلى الصبيان الذين يمثلون في الناصية، فإن هذه الرؤية من فوق هي صيغة من صيغ العمى، ولكنها أيضًا رؤية من خارج، والرؤية من الخارج هي أحد أشكال العزلة، وإقامة في منفى.

بورخيس الأعمى يقود القارئ في عتمة القصة، ليبدو العمى البورخيسي فلسفيًا، ودائرة أخرى من دوائره ومرآة من مراياه، ولهذا كان عليه لكي يقرأ القصة أن يكون، أو يصبح، أعمى. ولكي يكون أعمى، كان عليه أن يقرأ القصة، وهكذا إلى ما لا نهاية، التي ترجعه إلى ألف ليلة وليلة، وتبعث فيه إحساسًا مزيجًا من الغرابة والعذوبة بأن قصة “بحث ابن رشد” مكتوبة، مملاة داخل “ألف ليلة وليلة”، التي كانت إحدى متع القراءة في صبا بورخيس، التي يشرحها في سيرته الذاتية بأن الكتاب كان محظورًا عليه، ولذلك اضطر إلى قراءته خفية على السطح، “ولكنني في تلك المرحلة كنت مأخوذًا بسحر هذا الكتاب إلى حد جعلني لا أعير أي انتباه للمقاطع الماجنة منه، قارئًا هذه الحكايات بيقين أن ليس لها من معنى آخر غير الذي يمنحه سحر الحكاية”.

وفي مقالة له عن ترجمة “ألف ليلة وليلة” من قبل البريطاني إدوارد لاين، يشير إلى أنه عمد إلى الحذف والبتر، وأدرج في المتن جوقة من الملاحظات بخطوط مقلصة تومئ بالمحذوفات من دون أن تذكرها، ولكنه يؤكد أن ليس لهذا المترجم قصد سيء.

لم يكن أمام الضرير طريق آخر للحياة التي عاشها بعد الخمسين سوى الكتابة، أو ما يسميه المساحات التي يخلقها عبر الكتابة. وفي ملحق “وأنا”، يقول “فأنا أحيا وأترك نفسي تحيا كي يستطيع بورخيس حبك أدبه.. وهذا الأدب يبررني”. هكذا تصبح الكتابة مبررًا لوضع إنساني خاص تفضحه أحيانًا وتستره أحيانًا أخرى، وتتركه في المتاهة في بقية الأوقات.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى