شعر

أناس كثيرون وأيد فارغة

وُلد مونغو بارك في العاشر من سبتمبر 1771 لأب مزارع من بلدة “فاولشيلز” قرب منطقة “سيلكيرك”. بعد أن أنهى دراسته للطبِّ في مقاطعة إد نرة الإنكليزية وهو لم يتجاوز الحادية والعشرين، غادر إنك لرا كم ساعد جرَّاح عى مَنْ سفينة متَّجهة إلى الهند ال شرقية. وعند رجوعه كانت الجمعية الأفريقية في حاجة إلى مستكشف يحلُّ محلَّ الرائد )الميجور( هوتون الذي قى نحبه. تطوَّع مونغو بارك، وكان حينها في الرابعة والعشرين من العُمُر، لأداء المهمَّة، وقبلت الجمعية تطوُّعه، وفي يوم الثاني والعشرين من مايو/أيَّار 1795 ركب السفينة المتَّجهة صوب سواحل السنغال، حيث وصل إليها في شهر يونيو من ال عام نفسه. ومن السنغال بدأ بارك أسفاره التي يوثِّقها هذا الكتاب. تغيَّب مونغ بارك عن إنك لرا زُهَاء عامَنْ ونصف ال عام، إنْ لم يزد، وعاد إلى الوطن قبل أ َّ يام قليلة من ح لول عيد رأس السَّنَة الجديدة في عام 1797 . كان عُ ُ مره آنذاك يربو عى ستَّة وعشرين سنة. وقد نشرت الجمعية الأفريقية أوَّل طبعة من كتاب أسفاره تحت عنوان “أسفار في أعماق أفريقيا 1795 – 1797 بقلم مونغ بارك” مع ملحق يحوي خرائط توضيحية لأفريقيا من رسم الميجور رينل.

بوب ديلن

مرآة لزمن الأحلام الكبيرة

جاء بوب زمرمان (الذي غيّر اسمه للتو إلى ديلن) إلى نيويورك عام 1961 ليقيم في “قرية غرينتش” التي كانت نقطة استقطاب للتمرد بكل أشكاله وموطئ قدم شعراء حركة “النبضة” (Beat) المجدِّدة التي على رأسها الشعراء ألان غينسبرغ وويليام باروز وجاك كيرواك والحركات الفنية والثقافية الأخرى. ومن هناك دخل إلى الحياة من أوسع أبوابها، فقد ساعدت علاقته بالوسط الناشط سياسيا التعرف عن كثب على حركة الحقوق المدنية للسود وحركة السلام المعارضة للحرب في فيتنام.

ومن وسط تلك الحركة الجامحة ظهر صوت ديلن البسيط بكلمات أغان لم تألفها الأذن الغربية آنذاك حيث ظلت حتى ذلك الوقت الأغنية العاطفية هي السائدة، وجاءت موسيقى الروك لتكرس ذلك الاستمتاع الذاتي باللحظة في أواخر الخمسينات، عبر صوت ألفيس بريسلي، مقابل موسيقى الجاز والبلوز الأقدم التي كرست أصواتا رائعة مثل فرانك سيناترا وأيلا فيتزجرالد ونات كينغ كونغ.

لكن مع بوب ديلن أدخل عنصر جديد للأغنية: إنه الشأن الاجتماعي والحرب وقضايا التمييز العنصري والفلسفة وتجارة الأسلحة وغيرها. وكأن الموسيقى والغناء أصبحا مكملين لكلمات الأغنية. كذلك فإن بوب ديلن دفع بكلمات أغانيه لتتنافس مع القصيدة في مجازاتها واستعاراتها وصورها ليحررها من أيّ طابع سياسي نمطي مباشر، مع الالتزام بكل مواصفات القصيدة من وزن وقافية، وهذا ما يجعل قراءته بصوت عال أقرب إلى الأغنية وكل ما هو مطلوب نمط موسيقي مّا وسرعة إيقاع محددة كي تتحول إلى اغنية. يقول ديلن إن اختياره للموسيقى الشعبية المعروفة باسم الـ folk قد مكنه آنذاك من التعبير عن كل هذه المواضيع التي ما كان بالإمكان التعبير عنها بأنماط موسيقية أخرى.

يقال إن الشاعر غينزبرغ استمع أول مرة إلى أغنية “مطر ثقيل” على أسطوانة عند عودته من الهند، فاندفع بالبكاء، مرددا بما معناه: لقد حان الوقت لتسليم الراية إلى جيل جديد. في هذه الأغنية يصور بوب ديلن لحظة متخيلة عن سقوط ذلك الغبار الذري بعد وقوع كارثة حرب كونية لكنه يحررها من واقعها العادي ليسكنها في مناخ أسطوري أشبه بيوم دينونة متخيل. (وكأنه كتب هذه القصيدة عن عراق عاش أبناؤه لاحقا أيام دينونة كثيرة على يد طائرات وصواريخ وعساكر بلده أكثر من أيّ بلد آخر بعد فيتنام).

وهكذا أصبحت أغاني بوب ديلن لا تنتَج أولا في ألبوم بل كأغان مفردة فتنتشر كالنار في الهشيم في العالم الأنجلوساكسوني وأوروبا بشكل عام، وأصبح الكثير من أبناء الطبقة المتوسطة أسرى لذلك الصوت العادي الذي فرض نفسه عبر كلمات الأغاني القابلة لأكثر من تأويل وأكثر من مجاز. وهذا ما منح أغاني بوب ديلن قدرة على مخاطبة أكثر من جيل وأكثر من ذائقة لغنى التأويل فيها، وما تثيره من نقاشات بين جمهوره الواسع.

في أغنية “ضارب الدف” التي صدرت في ألبوم عام 1965 تعددت التأويلات، إذ اعتبر البعض ضارب الدف رمزا لبائع المخدرات وآخرون اعتبروه رمزا لإلهات الإلهام الإغريقية وغيرهم رأوه رمزا ثوريا، وحين سئل بوب ديلن في مقابلة عما يعنيه كان جوابه مراوغا وربما صحيحا: ما عنيت بضارب الدف هو ضارب الدف نفسه.

قد أكون مخطئا تماما إذا قلت إن الموسيقى لم تعط بعدا إمتاعيا لقصيدة بوب ديلن لكن في أغلب الأحيان يحتاج المرء أن يقرأ كلماتها من دون موسيقى كي يستمتع أكثر عند استماعه للأغنية مرة ثانية وثالثة.

لم يتوقف بوب ديلن عن كتابة الأغنية – القصيدة، ولعل تبدل المناخ العام وانحسار حركة اليسار الجديد قد ولدت دوافع أخرى في نفسه لاستكشاف مساحات ذهنية وعاطفية جديدة عبَّر عنها بأنواع موسيقية أخرى كالجاز والروك والبلوز وغيرها.

يقول ديلن في إحدى مقابلاته إن فترة الستينات كانت الأغنى من حيث كثافة حالات الإلهام التي جعلته ينتج جزءا كبيرا ومهما من أعماله خلال أقل من عشر سنوات، ثم جاءت الفترات اللاحقة لتصبح كتابة الأغنية أبطأ كثيرا، إذ قد تستغرق أسبوعين مقارنة بما كانت ستستغرقه خلال الستينات من ساعات. ولعل ولعه بالاستكشاف دفعه إلى الرسم والكتابة في أدب المذكرات واليوميات، وهي تظل وسائل ثانوية عن التعبير مقارنة بكتابة الأغنية ووضع اللحن المناسب لها ثم تأديتها.

في أغنية “تذروه الرياح” التي أصبحت نشيدا تردده الأنتلجنسيات في شتى أنحاء العالم وعبر أجيال متعددة يثور السؤال في الذهن: كيف تمكن شاب خرج للتو من سن المراهقة أن يملك هذه الحكمة المصاغة بهذه البساطة وهذا الإتقان.

في بريطانيا استقبل أغلب الأدباء والكتاب والموسيقيين منح بوب ديلن جائزة نوبل بتقدير عال، بل أن بعضهم اعتبر منح الجائزة متأخراً. قال البروفسور شيموس بيري، رئيس قسم اللغة الإنكليزية في جامعة أكسفورد “إنه أكثر من غيره، شاعر عصرنا، مثلما كان تنيسون لعصره، ممثلا له ومع ذلك فرديا بالكامل، إنسانياً، وغاضباً، ومرحاً، ورقيقا بالمقابل؛ إنه حقا نفسه بالكامل، واحد من العظماء”. أما الموسيقي وكاتب الأغاني الكندي ليونارد كوهين فقال “بالنسبة إليّ، منحه الجائزة يشبه تعليق ميدالية على قمة إيفرست لأنها الأعلى”.

ولعل هذه الشهادة اعتراف بدور بوب ديلن على أجيال من كتاب الأغاني في العالم الأنجلوساكسوني، الذي فتح لهم الباب على مصراعيه كي يدخلوا كل القضايا الكبرى والصغرى فيها من البيئة إلى الحب إلى العدالة إلى الأسئلة الوجودية إلى الإيمان، ومن هذا الباب عبر جون لينون وبول ماكارني وستينغ وليونارد كوهين وغيرهم.

قالت سارة دانيوس السكرتيرة الدائمة للأكاديمية السويدية معلقة على منح بوب ديلن جائزة نوبل للآداب لعام 2016 “إذا التفتُّ إلى الوراء لـ2500 سنة، سأكتشف أن هوميروس أو سافو كتبا شعرا كي يُستمع إليه، وكان مقصودا أن يؤدى (مسرحياً)، وغالبا مع آلات موسيقية، وهذه هي الطريقة نفسها مع بوب ديلِن، لكننا ما زلنا نقرأ هوميروس وسافو.. ونحن نستمتع بأشعارهما، وهذا نفس الشيء مع بوب ديلِن. من الممكن أن يُقرأ، ويجب أن يُقرأ”.

————————–

تذروه الرياح

Blowing in the Wind

كم من الطرق على الإنسان أن يقطع

قبل أن تدعوه إنساناً؟

كم بحراً على اليمامةِ البيضاءَ أن تجتازَ

قبل أن تستطيع النومَ على الرملْ؟

وكم مرةً يجبُ أن تتطايرَ كراتُ المدافعِ

قبل تحريمِها إلى الأبدْ؟

الجوابُ، يا صاحبي، تذروه الرياح

الجواب تذروه الرياح.

وكم سنةً يستطيعُ الجبلُ البقاءَ

قبل أن يُجرَفَ إلى البحر؟

وكم سنةَ يستطيع بعض الناس أن يعيشوا

قبل أن يُسمَحَ لهم بأن يكونوا أحراراً؟

وكم مرة يستطيع الإنسان أن يدير رأسه

متظاهرا بأنه لا يرى؟

الجوابُ، يا صاحبي، تذروه الرياح

الجواب تذروه الرياح.

وكم مرة على الإنسان أن ينظر إلى أعلى

قبل أن يستطيع رؤية السماء؟

وكم أذناً يجب أن يملك إنسان واحد

قبل أن يستطيع سماع بكاء الناس؟

وكم موتاً يجب أن يقع، حتى يعرف

أن كثيراً من الناس قد ماتوا؟

الجوابُ، يا صاحبي، تذروه الرياح

الجواب تذروه الرياح.

—————————–

مطر غزير موشك على السقوط

A Hard Rain’s A-Gonna Fall

أين كنت، يا ولدي، يا صاحب العينين الزرقاوين؟

أين كنت يا صغيري الأعز؟

تعثَّرتُ على سفوح اثني عشر جبلاً غارقة في الضباب

مشيتُ وزحفتُ على ستة طرق ملتوية

خطوتُ وسط سبع غابات حزينة

وكنتُ هناك أمام دزينة من محيطات ميتة

كنت على بعد عشرة آلاف ميل في جوف مقبرة

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل،

موشك على السقوط.

***

وماذا رأيتَ يا ولدي، يا صاحب العينين الزرقاوين؟

ماذا رأيتَ يا صغيري الأعز؟

رأيتُ طفلا مع ذئاب تحيط به من كل جانب

رأيت طريقا من الألماس لا أحد فيه

رأيتُ غصناً أسود يقطر دم منه

رأيت غرفة ملأى برجال حيث لا تكف مطارقهم على النزف

رأيتُ سُلَّماً أبيض مغطى كله بالماء

رأيتُ عشرة آلاف متحدث، ألسنُهم جميعاً معطَّلة

رأيت بنادق وسيوفاً حادة في يد أطفال صغار

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل

موشك على السقوط.

***

وماذا سمعتَ، يا ولدي، يا صاحب العينين الزرقاوين؟

ماذا سمعتَ يا صغيري الأعز؟

سمعتُ صوت الرعد يهدر محذراً

سمعتُ هدير الموج القادر على إغراق العالم

سمعتُ مائة ضارب طبل، أيديهم كانت مضطرمة

سمعتُ ألف متهامس ولا أحد يسمع

سمعتُ شخصا جائعاً، سمعتُ كثيرا من الناس يضحكون

سمعتُ أغنية شاعر مات في المجاري

سمعتُ مهرجاً يبكي في الزقاق

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل

موشك على السقوط.

***

وبمن التقيتَ، يا ولدي، يا صاحبَ العينين الزرقاوين؟

بمن التقيتَ، يا صغيري الأعز؟

التقيتُ طفلاً بجانب فرس قزم ميتة

التقيتُ رجلاً أبيض يمشي مع كلب أسود

التقيتُ فتاة شعرها يحترق

التقيتُ بنتاً صغيرة أعطتني قوس قزح

التقيت رجلاً مجروحاً من الحب

التقيت رجلا مجروحاً من الكراهية

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل

موشك على السقوط.

***

وماذا ستفعل الآن، يا ولدي، يا صاحب العينين الزرقاوين؟

ماذا ستفعل الآن، يا صغيري الأعز؟

أنا سأعود قبل أن يبدأ المطر بالهطول

سأمشي إلى عمق أعماق الغابة المعتمة

حيث الناس كثار وأيديهم فارغة

حيث حبات السم تطفو فوق مياههم

حيث البيت في الوادي يلاقي السجن القذر الرطب

حيث وجه الجلاد مخفيّ دائماً

حيث الجوع بشع، حيث الأرواح منسية

حيث السواد هو اللون، حيث اللاشيء هو الرقم

وأنا سأحكيها، وسأفكر فيها، وأتكلم عنها وأتنفسها

وأتأملها من الجبل كي تستطيع الأرواح أن تراها

ثم سأقف على المحيط حتى أغطس تماماً

لكنني سأعرف جيداً أغنيتي قبل البدء بالغناء

وإنه مطر ثقيل، ثقيل، ثقيل

موشك على السقوط.

——————————

ضارب الدف

Mr Tambourine Man

مرحباً، ضاربَ الدفِّ، اضرب لي لحناً

أنا لستُ نعسانا وليس لي مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدفّ، اضرب لي لحناً

في الصباح المجَلجِل المُصلصِل سآتي لأتبعك

على الرغم من أني أعرف أن إمبراطورية المساءات قد تحولت إلى رمل

اختفت من يدي

تاركة إياي في حالة عمى هنا كي أقف لكن من دون أن أنام

ضجري يدهشني، أنا موسوم على قدميّ

فليس هناك أحد لألتقيه

والشارع الفارغ القديم ميت أكثر مما ينبغي لأحلم فيه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

أنا لست نعسانا وليس هناك أي مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

في الصباح المجلجِل المصلصِل سآتي لأتبعك

خذني في رحلة على سفينتك السحرية الدوارة

فحواسي قد نُزعت عني

ويداي لا تشعران كي تمسكا بأي شيء

وأصابع قدميّ مخدرة كي تخطو إلى أمام

انتظر فقط كعبي جزمتي كي يمشيا تيهاً

أنا على استعداد للذهاب إلى أي مكان، أنا على استعداد كي أتلاشى

في عرضي

القِ تعويذة رقصك على طريقي، أنا أعد بأن أذهب تحتها

أنا لست نعسانا وليس هناك أي مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

ففي الصباح المجلجِل المصلصِل سآتي لأتبعك

على الرغم من أنك قد تسمع، ضحكاً، دوراناً، تأرجحاً، بجنون عبر الشمس

لا أحد مقصود بذلك

إنه مجرد هروب خلال الركض

لكن بالنسبة إلى الشمس ليست هناك حواجز تواجهني

وإذا سمعت خطوات مبهمة لقافية بكرات تتقافز

لدفك أخيرا

إنه مجرد مهرج رث وراءك

أنا لن أعطيه أي اهتمام

ما تراه مجرد ظل يطارده

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

فأنا لست نعسانا وليس هناك مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحنا

في النهار المجَلجِل المصَلصِل سآتي لأتبعك

دعني أختفي بين دوائر دخان ذهني

على خرائب الزمن المضبَّبة

بعيدا عابرا الأوراق المجمدة

الأشجار الخائفة المسكونة بالجن

إلى الخارج نحو الشاطئ العاصف

بعيدا عن المكان المتلوّي للأسى المجنون

نعم، للرقص  تحت سماء ماسية

مع يد واحدة تلّوح بحرية

مظللة بالبحر

وحولها تلتف دوائر الرمل

مع كل الذاكرة والقدر

منسحبة عميقا تحت الأمواج

دعني أنسى اليوم حتى غدٍ

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

أنا لست نعسانا وليس لي مكان أذهب إليه

مرحبا، ضارب الدف، اضرب لي لحناً

في الصباح المجلجِل المصلصِل سآتي لأتبعك.

كاتب من العراق

الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى