نقد ومقالات

مواقد باردة/ عدي الزعبي

إلى حسام عيتاني، الصديق والأستاذ

    من ليالٍ قصيّةٍ

    على درب الغابات الساكن

    موقدٌ حجريٌّ صغير

    فيه رمادٌ بارد.

    كأفكاري المشوّشة غباراً

    –فيها نثراتٌ من كل شيء–

    قصّتُه لا تحمل إلا الألم.

    أيامي السعيدة المنسجمة معي

    أضحت شظايا متنافرة

    بردت وتحجّرت،

    وبأنفاس خريف حياتي اصفرّ وجه الربيع.

    وما زال من ليالٍ قصيّةٍ

    على درب الغابات الساكن

    موقدٌ حجريٌّ صغير

    فيه رمادٌ بارد.

    نيما يوشيج. شاعر إيراني

في رواية نون والقلم، يستخدم جلال آل أحمد مزيجاً مدهشاً من التراث الإسلامي والرواية الحديثة، ليبحث في أسئلة نفسية، وفلسفية، وتاريخية؛ وينجح في رسم صورة مخيفة للثورة الفاشلة، التي يقودها مجموعة غامضة من متصوفة شيعة، تستعيد الحركة الصفوية من جهة، والحركات اليسارية في القرن العشرين من جهة أخرى.

كان للرجل دور هائل واستثنائي في تاريخ إيران: يساريٌّ ترك الحزب الذي استعبدته موسكو، وعدوٌّ لدود للغرب، وكاتب ومترجم مفعمٌ بقيم الحداثة الأدبية. عاش حياته في محاولة للتثوير والتحرير، تقوم على خلط الإسلام بالحداثة باليسار. فشلت المحاولة، واستولى أصدقاء ومعجبو جلال على السلطة سنة 1979، ليبنوا الجمهورية الإسلامية، التي لم تحقق الحداثة والعدالة والتمسّك المتحرر بالتقاليد، التي عاش ينافح عنها طيلة حياته المثيرة القاتمة.

توفي جلال في سن السادسة والأربعين، بعد مغامرات أدبية وفكرية، أكثر من نصفها فاشل ومملّ، وبعضها استثنائي وفريد كلياً بصدقه وعمقه: رواية نون والقلم، ومذكراته عن كونه عقيماً في شاهدة على قبر، ووصف رحلة الحج في قشة في الميقات، وكلها تغلي بلا-أدرية مترددة وبأسئلة بلا إجابات وبمحبة لا حدود لها وبأرقٍ دائم، يجعل كتاباته أشبه بحياته نفسها: كابوسٌ طويل لا مخرج منه…

مصدّق

تتمحور حياة جلال حول انقلاب 1953. قصة الانقلاب بسيطة ومعروفة: محمد مصدّق، ابن النظام والأعيان، رئيس الوزراء المنتخب والمحبوب من اليسار وحتى من اليمين، أمّم شركة النفط الأنجلو-إيرانية؛ ثم حصر الشاه تدريجياً في ملكيّةٍ دستورية، على المنوال الإنكليزي الذي يُعجب الشاه والبريطانيين- ولكن، كما تبيّن، فقط في بريطانيا وليس في إيران التي يجب أن تخضع لملكية مطلقة بحسب الشاه والإنكليز- لينزع منه السيطرة عن الجيش والاقتصاد. كان مصدّق في الثانية والسبعين من العمر، والشاه محمد رضا في الثانية والثلاثين، وجلال في التاسعة والعشرين. دبرّت المخابرات الأمريكية والإنكليزية انقلاباً عسكرياً على مصدّق، والشاه هرب إلى روما قبيل ليل الانقلاب، ثم رجع سريعاً محتفلاً بانتصاره. اعتُقلَ مصدّق وأتباعه، وأُعدمَ بعضهم. بدأ عهدٌ جديد من ديكتاتورية مطلقة لم تعرف مثلها إيران في تاريخها الطويل؛ وأسس الشاه، بالتعاون مع الموساد والإنكليز والأميركيين، جهاز الشرطة السرية- السافاك، الذي سيتحكم بالبلد حتى قيام الثورة الإسلامية. 

بعد الانقلاب، انقطع جلال عن الكتابة، وقرّر أن يبحث عن أسباب الهزيمة في الداخل، وارتحل في ربوع إيران كلها، باحثاً عن نفسه.

جذور مُنفلشة

أثمر البحث عن أمرين: اهتمام متزايد بالإسلام عموماً والتشيّع خصوصاً، واحتفاء بالتعدد الثقافي في إيران. كان جلال وزوجته سيمين دانشوار من الأسماء القليلة التي حاربت الفاشية الفارسية التي اكتسحت الثقافة الإيرانية منذ الثورة الدستورية (1906) بأشكال مختلفة، ومثّلها بأبشع أشكالها صديق جلال ومعلمه الأشهر صادق هدايت. جلال، على العكس تماماً، رأى أن إيران متعددة، وفيها لهجات وعادات وتقاليد كردية وعربية وأذرية وغيرها، تُغني البلد، وتجعل تاريخه متعدداً سخياً. والتقاليد، بحسب جلال، تشكل معنى ومبنى الوجود: من خلالها يعرف المرء نفسه، وعن طريقها يحارب أولئك الذين فرضوا انقلاب 1953 على كل الإيرانيين.

الجذور الشيعية أصبحت شغل جلال الشاغل: لم يتخلّ عن يساريته العميقة، على الإطلاق. بقي حتى آخر يومٍ من حياته ملتزماً بشكل كليّ بالطبقات الأفقر وبالمستضعفين. ولكنه كان يحاول أن يفهم كيف يمكن مواجهة الغرب في معركته الكبرى. والتشيّع، أو كل التقاليد بشكل عام، تشكل الجذر الذي يسمح لنا بالمواجهة.

الوضوح الجارح

التزام جلال يتبدى في أسلوب الكتابة الخاص، المليء بالمصطلحات والكلمات العامية، وأيضاً، بأسلوب الحكي المتقطع في الدردشة: جملٌ ناقصة بدون أفعال أو نهايات أو بدايات. يكتب كما لو أنه يحدثك كصديق، كفتى في المقهى يلعب الورق، ويضحك بصوت عال. مباشرة، من القلب-معظم الأحيان، وإلى العقل- في كل الأوقات.

يتذكر المرء أولئك الذين يكتبون بصوت واضح بسيط: أوسامو دازاي، أورهان والي، لو شون، جورج أورويل، برتراند راسل، طه حسين، نجيب محفوظ وعشرات غيرهم. (القرآن، أيضاً؟). لا يوجد تثاقف ولا تعالٍ على القارئ. بل لا يكاد يوجد أية رموز أو استعارات في نصوص جلال. يكتب كما هو، كما كان، كما يجب أن نكون جميعاً. يسيل الكلام كما في سهرةٍ طويلة، كأن القارئ حاضرٌ يكتب ويردّ ويجادل ويناقش. لا يريد جلال أن يعلّم الناس؛ هو منهم، بينهم، معهم.

نيما

العودة إلى الإسلام والتقاليد المتنوعة ترافقت مع ثورة الحداثة الأدبية: بشكل جذّاب وخاص ومُلهِم، نجح جلال آل أحمد في ربط الأمرين، وكان له دور هائل في التنظير للحداثة: من مقالاته الأدبية عن نيما يوشيج أبي الشعر الإيراني الحديث، إلى تحليله لأعمال صادق هدايت والنثر الجديد، وصولاً إلى عمله هو نفسه في القصة والمقال الأدبي والرواية وأدب الرحلات والمذكرات. توفي هدايت ويوشيج في الخمسينيات، وتابع جلال محاولته في ربط التراث مع الحداثة؛ وربما تفتّحت التجربة عن معانٍ أسمى في الأعمال الصوفية الشكّاكة الشخصية لسهراب سبهري، وفي قصائد فروغ فرخ زاده الناعمة الهادئة المتمردة كشمعةٍ في بدايات شتاءٍ قصير.

إذن، على العكس من تمسّك تحالف الأصولية وما بعد الحداثة بالتحجر الأدبي والفكري والروحي وبتحقير كل من يتأثر بالغرب، قاد جلال قاطرة الحداثة المتعثرة، بدون تردد، محاولاً أن يستعيد التراث، وأن يكون صادقاً مع نفسه، ليعود إلى نقطة الانطلاق حائراً مرات ومرات ومرات.

توفي نيما يوشيج، أحد أشهر اليساريين في العالم الإسلامي، فقيراً متشائماً، بين يدي جاره جلال: بحسب جلال، كان رأسه يغلي، وجسده بارداً. فقرأ له آياتٍ من الذكر الحكيم، وهو يبكي…

الشيوعي المارق

جمع حزب توده (حزب الجماهير) العمال والمثقفين حوله. منهم صادق هدايت ونيما يوشيج وجلال آل أحمد، ومئات المناضلين من كافة التيارات. سقط الحزب، في أعين مناصريه، بعد أن كاد يصبح الناطق باسم ضمير الأمة: أسقطه الاتحاد السوفييتي، بالطبع. فرضوا عليه الموافقة على مقترح اتفاقية نفط تشبه الاتفاقيات كلها التي عارضها الإيرانيون على الدوام؛ وعلى العموم، على القبول بكل مقترحات موسكو في السياسات الداخلية والخارجية.

وتاريخ إيران الحديث هو تاريخ ما سمّي «اللعبة الكبرى» بين روسيا وبريطانيا منذ بداية القرن العشرين في أراضي آسيا الوسطى. التسمية، التي اعتمدها الصحفيون والأكاديميون والباحثون من الطرفين، تكشف نذالة العاملين في الشأن العام: الصراع على مستقبل الناس وآمالهم وتاريخهم يصبح لعبة. كان لروسيا دور إمبريالي شنيع: معارك واحتلالات متعددة في القرن التاسع عشر، ثم الاتفاقية الإنجليزية الروسية سنة 1907، واحتلال البلد وتقسيمة بين روسيا وإنكلترا سنة 1941، إلى تحطيم سمعة حزب توده.

ما الذي يفعله اليساريون، عندما يتحول قادة الحزب الشيوعي إلى ألعوبة بيد الروس؟ وبريطانيا وأميركا -رعاة العالم الحر- تقودان الانقلاب ضد الانتخابات والحرية؟

عاد جلال إلى الإسّلام: إلى الجذور، التي بقي متشككاً فيها إلى لحظة وفاته المبكرة. وخلطَ الإسلام بالعدالة الاجتماعية، هذا الخلط الذي سيحوّله تلميذه ومريده علي شريعتي إلى نظام متكامل. والفكرة موجودة في كتابات عربية وصلت إيران: كما نراها عند بعض قادة الإخوان المسلمين، مثل مصطفى السباعي وسيد قطب وغيرهما. على الأغلب، تعكس هذه الآراء محاولة لإعادة قراءة التاريخ بطريقة غير أمينة، مستخدمين مصطلحات ونظريات وآمال الحاضر. ولا يعني هذا أن نقول بأن الإسلام كان ضد العدالة الاجتماعية، بالطبع.

ولكن، على العكس من قطب وشريعتي، كان جلال أكثر حذراً بكثير في إطلاق الأحكام والنظريات العريضة. بقي شَكّاكاً على طول الخط. بل في نون والقلم، يقترب من فكرتين متناقضتين: اعتزال السياسة وفوضوية إسلامية: كما كان معظم فقهاء الشيعة والسنّة (الإمام جعفر الصادق، والأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك وابن حنبل والشافعي) يبتعدون عن السلطة ويحذرون منها، والخوارج -الإباضية تحديداً- يكادون يرفضون وجود سلطة، ارتاب جلال بكل السلطات بلا استثناء، ليأتي صديقه روح الله الخميني بنظرية معاكسة تماماً، «ولاية الفقيه»، جاعلاً السلطة محور الدين، والدنيا…

قلم الله

في نون والقلم، تقوم مجموعة غامضة من المتصوفة بثورةٍ على نظامٍ استبدادي، يساندهم فيها الناس سريعاً، ويقع بطل الرواية -وهو كاتبٌ للعرائض- في حيرة: هل يعتزل السياسة، أم يشترك في الثورة، أم يبقى مخلصاً للنظام؟ يقرر، بتردد، بأن يكون قريباً من الناس ومن الثوّار. تنتهي الرواية بهزيمة شنيعة للثورة وللناس، وبعودة النظام بشكل أقسى ممّا كان.

يتقطّع قلب القارئ وهو يرى بأم العين الثورة تفشل، تنساح، تتفسخ، بين يدي جلال وبطل الرواية. والرواية تكاد تكون واقعية، على الرغم من أنها مكتوبة بأسلوب تراثي. جمع فيها جلال حنكة الشكل، بالقدرة على جعل القارئ يتحرّق شوقاً في متابعة مجريات الثورة، إلى السؤال الذي يؤرّق كل الكتّاب حول دورهم الغامض في الأحداث الكبرى. بعض الشخصيات لا تتطور كثيراً، وبعض الفصول تنحو باتجاه النقاش المتفلسف. ولكن الرواية ككل، تستحق أن تكون في شهرة الحرافيش أو آيات شيطانية: الروايات التي تجعل التراث يجري معنا، كنهرٍ لا يجفّ ولا يروي…

سيمين

لجلال آل أحمد قصة حب طبّقت شهرتها الآفاق، مع الدكتورة في الآداب والكاتبة والقاصة والمترجمة سيمين دانشوار. تظهر سيمين في كل أعمال جلال: في رحلة الحج، وفي إسرائيل، وفي مقالاته عن نيما، وعن الأدب الفارسي… يبدو متعلقاً بها كعاشق في العشرينيات. وعلينا أن نثق بالعشاق، أن نثق برؤيتهم للأدب (وليس الفكر)، وإلا، لم يكن للعشق معنى.

سيمين أول امرأة في تاريخ إيران تنشر مجوعة قصصية، وروايتها سووشون الأكثر مبيعاً في تاريخ الأدب الفارسي. نسوية صريحة، وكتبت بصراحة عن أنها أخبرت جلال بأن أدبها لن يكون مجرد هامشٍ لأدبه، وحققت ذلك بطريقة ساحرة. وكانت تعي تماماً أنها تحارب الجميع: رجال الدين والتقاليد والكتّاب الذكور المتحررين حولها. نسوية متحفظة جداً على التحرر الجنسي، وترفض أن تحوّل الأدب إلى بروباغندا نسوية، وتسقط في تلك البروباغندا أحياناً. رسمت لنفسها خطاً خاصاً؛ نصوصها قليلة، وبين عنف الشاه وموقفها الداعم -بغموض أحياناً- للثورة الإسلامية، عاشت حياةً طويلة هادئة غير صاخبة، ارتبطت كلها بجلال، ولكنها لم تكن ظلّه أو الامرأة المتخفيّة خلف الرجل العظيم: كانت المرأة العظيمة المتفردة، أمام الرجل المريض الذي غادر مبكراً.

لم أستطع قراءة روايتها كبيرة الحجم بسبب الملل الذي يصيبني أمام معظم الروايات الكبيرة؛ ولكن قصصها القصيرة متفرّدة وحادّة، وبدون شك، أفضل من قصص جلال التي تفيض بالرغبة بالإصلاح. سيمين تعالج شخصيات معقدة، سلبية، حيادية أخلاقياً وضعيفة أمام المغريات. وتدخل في عوالم النساء اللواتي يعشن بدون هدفٍ واضح، برقّةٍ وتهذيب. على سبيل المثال، البازار، عن قصة طفلة تضيع في البازار مع مربيتها. المربية تغازل صاحب محل، والطفلة تلهو وحدها. البازار، ذلك المكان العجيب الحيّ الذي يربط التاريخ بالحاضر، يسحر الطفلة والمربية الكسول اللعوب شبه-البريئة، ثم يخطفهما…

استطراد شخصي

أنا أكتب قصصي القصيرة على طريقة سيمين، ومقالاتي على طريقة جلال. هذا المقال، في جوهره، قد يكون مكتوباً بدافع شخصي: الدفاع عن كتاباتي أنا أمام نفسي، أمام فشلي الدائم، باستحضار أساتذتي وتشريحهم بمحبة ودقّة. والمقال مُريب فعلاً: أنا لا أعرف الفارسية، ولم أقرأ من الأدب الفارسي الكثير، ولكنني وقعتُ تحت سحر جلال بطريقة تكاد تكون صوفية: كشف مفاجئ، كظهور (شبح؟) السيد المسيح للقديس بولس على أبواب دمشق…

على أية حال، ألم يكن جلال وسيمين وهدايت ونيما وفروغ وسهراب فاشلين مادياً، بالضبط ككاتب هذا المقال، وغارقين في الديون والكآبة والوحدة؟

إسرائيل

لا يخبرنا المترجمون العرب، عندما يقدّمون جلال ويكتبون عنه، بأنه زار إسرائيل، وكتب عنها، في حادثة شهيرة جداً، ما زالت موضع تساؤل. وقد علّقَ عليها بعد سنوات كثيرة علي خامنئي، كما أعادت نشر مقالاته عنها مؤسسة تابعة للجمهورية الإسلامية في الثمانينيات (ربما، بمحض الصدفة، تزامناً مع فضيحة إيران-غيت)، بعد تغيير عنوان الكتيب على يد شمس الدين آل أحمد، شقيق جلال، من زيارة أرض إسرائيل إلى زيارة أرض عزرائيل. المترجم الإسرائيلي إلى الإنكليزية، من جهته، يتلاعب بالعنوان أيضاً، بحيث يصبح الجمهورية الإسرائيلية، كي يخبرنا ببعض التشابهات التي يراها أو يتخيلها مع الجمهورية الإسلامية.

زار جلال إسرائيل بدعوةٍ رسمية من الحكومة الإسرائيلية، التي كان أحد دبلوماسييها، بمساعدة من السافاك، يجول إيران ليجمع معلومات عن المثقفين كي يؤمّن لهم رحلات مدفوعة وإقامات قصيرة في الكيبوتزات، متخمة باللقاءات مع المسؤولين والمفكرين الإسرائيليين. أكثر ما يثير الأسى والحزن، أن جلال نفسه يعرف بارتباط السافاك مع الموساد؛ يعرف، ويقرر، ربما للمرة الوحيدة في حياته، أن يتجاهل هذا الأمر.

اهتمام جلال بإسرائيل ينبع من أكثر من مكان: فكرة ولاية إسرائيل على كل اليهود، وهي فكرة تتخطى مفهوم الدولة القومية التي كان جلال متشككاً بها، وتتقاطع مع مفاهيم شيعية تجاوزت الدولة حول دور الفقهاء. وهناك ذلك الاحتقار للعرب، ويصرّح به في مقالاته عن «أرض إسرائيل»، كما يدعوها. ولكن الأهم أن إسرائيل، أو للدقة، تأسيس إسرائيل، بحسب دعاية الكيبوتز، قام على أسس اشتراكية تحررية مساواتية مثّلها الكيبوتز، وجذبت جلال إلى تمجيد البلد الوليد. مقالاته تركز على ذلك «النجاح الباهر العجيب» للكيبوتز.

شكل الكيبوتز يوتوبيا وهميّة سوّقَ لها الكيان الصهيوني بنجاح منقطع النظير. زارها نعوم تشومسكي في مطلع شبابه وأقام فيها، وحوّلها آرثر كوستلر إلى مهرب من الستالينية، كما روّج لها باستمرار الفيلسوف مارتن بوبر. ترافقت الدعاية دوماً مع «زرع الصحارى» الفارغة من السكان والزرع، أي أرض فلسطين التاريخية، ومع عنصرية معلنة -يهود ضد يهود- حيث فقط الأشكناز يحقّ لهم سكن الكيبوتز.

وبما أن المرحوم جلال آل أحمد يحب الأرقام، والعِلم، كان عليه أن يبحث في أصل الأسطورة: في ملاحظة ثاقبة، بالأرقام، يفنّد ألبرت حوراني (بحذرٍ اشتُهر به) أسطورة الكيبوتز: معظم اليهود القاطنين في فلسطين، 90 بالمئة، كانوا في المدن سنة 1939.1 كما يفنّدها المؤرخ الإسرائيلي توم سيغف، بالأرقام ايضاً، في سياق مختلف.2 ولم تتخط نسبة سكان الكيبوتز عتبة العشرة بالمئة في تاريخ الدولة، بل تراجعت إلى اثنين بالمئة في أيامنا. كذلك، لم يكن إنتاج الكيبوتز الزراعي والصناعي مما يُعتدّ به. في الواقع، تأسست إسرائيل على استيطان المدن والصناعات المرتبطة بها، وليس على أية يوتوبيا مساواتية اشتراكية في الكيبوتز.

كان الكيبوتز مجرّد وسيلة دعائية، ناجحة جداً، لتهميش وتهشيم الوجود الفلسطيني. 

العرب والتاريخ

في زيارته إلى مكة، يفكر جلال في العودة إلى أصول الإسلام، ليرجع نقياً كما كان أيام النبي، صافياً رائقاً. سيد قطب دعا إلى أمر مماثل. والأستاذ الإمام محمد عبده والشيخ جمال الدين الأفغاني. بل هناك شيء من ذلك في فكر ميشيل عفلق أيضاً. أكثر من ذلك، تتردد هذه الفكرة بأشكال مختلفة عند طه حسين وهشام جعيط وهادي العلوي! عموماً، يحب العرب الفكرة الخاطئة كلياً القائلة بأن الأمة انهارت بعد أن تَحكّمَ بها الأجانب غير العرب، أي بعد عهد المعتصم. هذه الفكرة تشكل لبّ فكرة السلفية، ويتفق فيها المفكرون العرب: الليبراليون واليساريون والقوميون مع الإسلاميين.

على أن آل أحمد، على العكس من المفكرين العرب، يقول أيضاً بالنظرية المعاكسة تماماً (كما يفعل أحياناً طه حسين بتردّد)، في كتابه الشهير الابتلاء بالغرب وفي تأملاته في مكة: الإسلام اتخذ وجهاً فارسياً وهندياً وأفريقياً، وبهذا حقق وجوده التاريخي الحقيقي. وهذه الفكرة صحيحة تماماً، وعلمية، وواقعية. الإسلام كمشروع تاريخي تفتّح بالتدريج، ووصل إلى ذرى جديدة مع انتشار مراكز متعددة للثقافة الإسلامية: حلب عاصمة الحمدانيين (شيعة، بالمناسبة)، والقاهرة ودمشق مع الأيوبيين (الأكراد) ثم معجزة المماليك (الأتراك) في صدّ المغول والصليبيين معاً، وبالطبع الإسلام الآسيوي في سمر قند مع أحفاد تيمور، وصولاً إلى الإنجازات الباهرة لإمبراطوريات البارود الثلاث: الصفوية والمُغالية والعثمانية؛ وعلى الضفة الأخرى: دور البربر في نشر الإسلام وتثبيته وهضمه في المغرب الكبير والأندلس. السِفر العظيم لمارشال هادجسون، مغامرة الإسلام، يقوم على هذه الفكرة، على فكرة فهم الإسلام التاريخي بكليته وتنوّعه.

قلنا إن جلال كان يعادي المذاهب الإسلامية المنغلقة، خصوصاً التشيّع الصفوي. وهذا يجعل فكرة العودة إلى ما قبل نشوء المذاهب مثيرة، إلى إسلام نقيّ مفترَض صافٍ بلا مذاهب، نفس الفكرة أسست للعروة التي جمعت جمال الدين الأفغاني الشيعي مع محمد عبده السني: تجاوز الخلافات المذهبية. لم يكن آل أحمد ليتوقع أن الثورة الإسلامية التي خطفت اسمه ستكرّس الانقسام السني-الشيعي بشكل لا مثيل له في تاريخ الإسلام.

ترجماته العربية

يحاول المترجمون العرب فعل أمرين: أولاً، تصوير جلال كرجل نقيّ شفّاف، كبطلٍ لا يُشق له غبار؛ وكممثل للفكر الإسلامي الشيعي. وكلا الأمرين خاطئ. لذلك، يخفون عن القارئ زيارته إلى إسرائيل، التي تشكل مفتاحاً لفهم بعض تناقضاته. فقد غيّر رأيه كلياً عقب النكسة، وكتب مقالاً مسلياً ذكياً يشكل إدانة شديدة لأميركا، ويرى أن دور إسرائيل الرئيس حماية المصالح الغربية في المشرق، في تحالفها (غير المعلن) مع الشاه. في المقال يتهرّب من السافاك، بالادعاء بأن المقال رسالة وصلت إلى جلال من صديقٍ في فرنسا، وجلال ليس مسؤولاً عن مضمونها.

تتراوح الترجمات في مستواها. بعضها سيء فعلاً، وبعضها مقبول، والقليل جيّد. ولكن الاستثناء يأتي في نون والقلم، وفيها تنجح المترجمة ماجدة العناني بشكل مدهش في تحويل الفارسية شبه-العامية إلى عربية شبه-عامية. وليسمح لي القارئ بالتعليق على مقدمتين، لأهميتهما الخاصة، فقد كتبهما باحثَان شهيران: مقدمة الابتلاء بالغرب ومقدمة قشة في الميقات. الأولى كبتها إبراهيم الدسوقي شتا والثانية عبد الجبار الرفاعي. كلا الباحثين يخفي زيارة إسرائيل، ولكن أستاذنا الرفاعي يلاحظ توترات جلال وتقلباته، ويعترف بها. كلاهما يميل إلى «أسلمة» جلال، ويميل الرفاعي إلى تقدير الإمكانيات الأدبية الهائلة في يوميات رحلة الحج. 

يغيب عن الترجمات العربية مقالات جلال، والمقال فنّ لا يحترمه المترجمون والناشرون العرب ولا يقدّرونه، بسبب هوسهم المرضيّ بالروايات الكبيرة المُتعبة المملّة المُترجَمة. جلال بالذات اشتُهر بكونه كاتب مقال في حياته، المقالات التي تركت أثراً لا يُمحى على الأدب الفارسي. والمقالات القليلة التي قرأتها له بالإنكليزية تستحق شهرتها الاستثنائية في إيران.

سكرة الموت

لا نعرف كيف مات جلال. تقول سيمين جلطة قلبية. يقول شمس الدين، شقيقه المقّرب ومحرّر بعض كتاباته، اغتاله السافاك. يصرّ كل منهما على موقفه. والرجل مات، وشبع موتاً. وماتت سيمين، ومات شمس. ولم نعرف الإجابة.

    «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ»، سورة الزمر.

مكّة

خاتمة زيارة مكة، كلمات إلى حبيبة القلب التي تنتظره في طهران: كأن العشق وحده ما يحرك جلال، العشق الذي يتجلى في مكة وفي الحداثة الأدبية وفي محاربة الإمبريالية والسافاك والشاه…

قد يكون هذا أفضل ما كُتب في أدب الرحلات، أو، بما أن الناس تقول لي باستمرار لا تستخدم كلمة أفضل، على الرغم من أنني أجدها مناسبة أحياناً، أقول: هذا الكتاب، قشة في الميقات، بالتأكيد أفضل وأجمل وأرقّ ما قرأتُ على الإطلاق. (الميقات، واحدٌ من خمسة أماكن مؤقتة تتوقف فيها قوافل المعتمرين للإحرام).

يكتب جلال يومياته، بصدق وبشكل مباشر: عن عبد الناصر، عن الحجاج الإيرانيين وخرافاتهم، عن مرضه، عن التاريخ، عن المدن والقرى والمساجد حوله، عن الحياة اليومية والفقر واليسار السعودي، عن بحثه عن الله، عن شواربه الكثّة، عن آرامكو، عن النساء الجميلات في مكة والمدينة، عن شكّه بنفسه، عن إخفاقه الكامل في الرحلة، بل حتى في فهم دوافعها وأهدافها!

أدبياً، هناك شيء غامضٌ: اليوميات، بوضوح، تسجّل الحوادث المباشرة؛ ولكن، المُنتَج النهائي، يوحي بوجود خطة مسبقة، أو بالأحرى محاولة، لفهم الكون والإسلام والنفس من خلال يوميات الرحلة. هذا الأدب الذي يتسلل إلى المعنى وإلى النفس بسهولة وبدون ادعاء، ولكن بعمق لا مثيل له، يجعل المرء يؤمن بمعنى الأدب وبأهميته القصوى: على أن الكتاب لا يقول شيئاً، بل يمتلئ بأسئلة وشكوك وأحزان تسيل في كل جملة. ربما، ما يبقى -في النهاية- هو شيءٌ من التعاطف مع جهلنا وعجزنا ومحاولاتنا الدائمة للوصول إلى القليل من العدل، في هذا العالم غير المفهوم وغير العادل.

قشةٌ في ميقاتٍ لا تصلُ أبداً إلى مبتغاها:

    «أراني جئت إلى هذه السفرة فضولاً قبل أي شيء. أدس أنفي في كل شيء كعادتي، لأرى ما هناك، وليس أملاً في شيء. وهذا الدفتر حصيلة رحلتي هذه. مهما يكن، فهي تجربة، أو حدث بسيط جداً، على كل حال، وكل واحدة من هذه التجارب، والأحداث البسيطة الخالية من “الأحداث” أساس لنوع من اليقظة والوعي، رغم سذاجتها. وإن لم تكن أساس يقظة، فلا أقل من أنها أساس شك وارتياب. وهكذا تتحطم درجات سلّم اليقين تحت أقدام التجارب. ثم ما هي حصيلة العمر يا ترى؟ إنها الشك في صحة، وأصالة، وحقيقة البديهيات الأولية المنتجة لليقين، أو الخيال، أو الحاضة على العمل، وخسرانها واحدة، واحدة، وتبديل كل واحدة منها علامة استفهام».

عقيم

عاقر وعقيم. سيمين وجلال. بدون ذرية. سجّل في شاهدة على قبر كل ما حصل له، كل الثقافة العالية والشعبية والدعم والمحبة والفضول والخرافات والطب الحديث الذي فشل تماماً في مساعدته، كي ينتهي وحيداً، بدون ذرية؛ لينتهي بأسئلة واعترافات عن الخيانة والذكورية والنسوية والضعف والعشق.

بدون ذرية. لا شريعتي ولا الخميني، بالطبع. ولا اليسار ولا اليمين. ربما، أولئك الذين يتظاهرون في شوارع إيران باستمرار، بحثاً عن شيء مختلف. وربما، الحائرون دوماً: بين غرب خوّان -غربٍ لا يمثله إلا انقلاب 1953 في جوهره المشعّ، وبين تراثٍ لا يشبهنا كثيراً اليوم. بدون ذرية، حائراً في الأسباب وناقماً…

الإخفاق العظيم

فشلَ جلال في تقديم رؤية مقنعة ومتماسكة في معظم المواضيع التي تناولها وعاش لها وكتب عنها: عادى العرب وأحبهم، زار فلسطين واحتقر إسرائيل واحتفى بها، نظّرَ للتشيّع كنارٍ تلتهب في قلوب الفُرس وانتقد كل الطوائف والمذاهب- خصوصاً التشيّع، عشق سيمين و-على الأغلب- خانها أكثر من مرّة، دعا إلى الإسلام بروحه وقلبه ولا يبدو أنه آمن جدياً إلا بالعدالة الاجتماعية وبحداثة أدبية لم يتخلّ عنها، وقدّم أدباً دعائياً في أكثر الأحيان، وحين شعّت روحه بموهبة تكاد تقارب موهبة نيما وهدايت، مات بعد سنوات قليلة، في السادسة والأربعين من عمره، والبلد يغرق في أبشع طغيان وفسادٍ لأكثر الحكومات خنوعاً للغرب في العالم الإسلامي.

واليوم، جلال معنا، ويعنينا، ويمثلنا، أكثر بكثير من العلمانيين المتطرفين، والإسلاميين الأصوليين، ومن كتابات غربيّة –بأقلامٍ غربية أو عربية- تثير الضجر بغرائبيتها وتهافتها على ما هو مثير و«سكسي» ويكسر الحدود. ولكن علينا، بالطبع، أن نخرج من خطايا جلال وزملائه: أي أن ننفتح على تجارب جيراننا وأشقائنا، أولئك الذين تشاطرنا معهم التاريخ والجغرافيا وسنتشاطر، مجبرين، المستقبل بأكمله: إيران وتركيا (والأكراد والأرمن وغيرهم)، بشكل جدي، وأن نحتفي بما قدموه، وأن نجعله جزءاً من فهمنا لأنفسنا: جلال آل أحمد وصادق هدايت ونيما يوشيج وفروغ فرخ زاده وسهراب سبهري، وأورهان والي وصباح الدين علي وسعيد فايق عباسي، وعشرات غيرهم، يشكلون مداخل للروح، لروحنا ولتاريخنا ولجغرافيتنا ولخطايانا، لا تتوفر في أي كاتب غربي أو شرقي أو جنوبي.

ماذا يبقى من جلال؟

المحاولة: المحاولة التي فشلت فيها إيران، وفشلنا نحن أيضاً. والشكّ الكامل، والحيرة التي تخبط الإنسان كصفعات أبٍ غاضب حنون خائف، لا مهرب منها. وإخفاق غير محدود، وغير مفهوم، ولا يواسينا فيه حتى الله. والصدق، والأمانة، والإيمان الحار بالعدالة الاجتماعية، والمواجهة التي لا تنتهي مع غرانيق العصر الحديث: أميركا وروسيا، ومع الوسواس الحنون: تراث الإسلام الذي لا يجوز التخلي عنه، ولا نستطيع أن نَسري بصدق مع أنفسنا ومع زمننا بدون ظلّه العظيم الرائع المهيب المخيف…

1.راجع تاريخ الشعوب العربية، الفصل التاسع عشر.

2.راجع مقدمة الفصل الحادي عشر من كتابه One Palestine, complete : Jews and Arabs under the Mandate. راجع أيضاً كتاب اليهود والمسيحيون في العالم العربي الإسلامي والتركي، لفيليب فارج ويوسف كرباج، ترجمة بشير السباعي، ص 240-241 حول تجمع اليهود القادمين إلى فلسطين في المدن الكبرى: «فالكيبوتز الرائد كان فكرة للتجميع أكثر مما كان واقعاً ميدانياً».

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى