مقالات سينمائية

أزمة صناعة: هل ما زالت جوائز الأوسكار تستحق الجدل؟/ محمد سامي الكيال

رأى كثير من المهتمين والمتابعين للسينما الأمريكية الجماهيرية، أن العام الماضي 2022 كان إيجابياً عموماً بالنسبة لصناعة السينما، فبعد كثير من التكهّنات حول نهاية السينما التقليدية، خاصة بعد حالة الإغلاق العام عقب انتشار فيروس كورونا، وازدياد أهمية منصات العرض المنزلية، عادت الأفلام الضخمة والمهمة لتملأ صالات العرض بالمتفرجين، وليس فقط سلاسل الأبطال الخارقين وأشباهها، بل أيضاً أفلام أقل «تفاهة» بمعايير السينما الجماهيرية، مثل «توب غان: مافريك» للنجم الأمريكي الشهير توم كروز، و»أفاتار 2» للمخرج جيمس كاميرون. فضلاً عن أفلام أفضل مستوى وأعمق فكرة، مثل «ذا مينو» و«بابيلون» وغيرها.

إلا أن هذا التفاؤل لا يتعلّق بتقدّم تحقّقه السينما الجماهيرية، سواء على مستوى ظهور تيارات وأصوات فنية مُبتكرة وجديدة فيها، أو على مستوى توسّع البنية التحتية للفن السينمائي نفسه، بقدر ما يتعلق بأن السينما تقاوم، وما زالت قادرة على البقاء، أي أن ما يحدث جيد بالمقارنة بعامي الوباء، أو بمقاييس العقد الأخير عموماً، لكنه يأتي ضمن خط بياني منحدر للسينما بمفهومها الكلاسيكي، بوصفها حدثاً فنياً/اجتماعياً له جمالياته وتقاليده. في الوقت نفسه لا تبدو منصات العرض المنزلي بأفضل أحوالها، بعد أن أرهقها التنافس في ما بينها، وخسرت جانباً مهماً من أرباحها، وخاصة نتفليكس، المنصة الأشهر، التي اضطرت إلى إلغاء عدد من المسلسلات والبرامج التي كانت تنوي إنتاجها، وتقليل عدد مشاريعها عموماً.

وسط هذا الجو عاد حفل توزيع جوائز الأوسكار، الذي يعاني بدوره من انخفاض مشاهداته، ليثير ضجة، ربما أقل من المعتاد بقليل، حول اختياراته وتوجّهاته الفنية، وبالطبع لعب السجال حول «الصواب السياسي» دوراً كبيراً كالعادة، خاصة مع منح ميشيل يو الآسيوية الأصل والجنسية، جائزة أفضل ممثلة، بدلاً من الأمريكية «البيضاء» كيت بلانشيت. وهو أمر سيثير غالباً «تريند» يستمر لأيام على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن ينساه الجميع.

يُحمّل البعض توجهات جائزة الأوسكار، وهوليوود عموماً، التي باتت من قلاع «الصوابية» الأمريكية، جانباً من مسؤولية التراجع الذي تشهده السينما عموماً، إذ أنها تُبرز وتدعم أعمالاً معينة، لأنها تحمل «أجندات» تتعلق بالانقسام العرقي والطائفي الأمريكي، أو تؤيد تيارات النسوية وحقوق المثليين، على حساب المستوى الفني؛ كما أنها تخفض سقف حرية التعبير، وتجبر كل الفنانين على مسايرة «الأجندات» إلا أن هذا الرأي يعطي نفوذاً مبالغاً فيه لأيديولوجيا «الصوابية» التي لن تكون قادرة بالتأكيد على حرمان فيلم جماهيري حقاً من سوقه، في بلد مثل أمريكا، مهما أدانته وشنّت حملات عليه؛ كما أن منتقدي «الصوابية» يغفلون عن طرح سؤال أكثر أهمية: عمّا سيتكلّم نجوم هوليوود اليوم إذا لم يركزوا على أعراقهم وأنواعهم الجنسية؟ بمعنى آخر: ما الخطاب المتوقّع في أيامنا من صناعة السينما، والثقافة الجماهيرية عموماً؟

إنقاذ سوق

كانت صناعة السينما الأمريكية منفتحة دائماً على التغيّرات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي شهدها البلد منذ نشأة السينما نفسها، كما هو متوقّع من صناعة كهذه في أمة ديمقراطية كبيرة، لا تعمل وفق توجيهات سياسية وأيديولوجية فوقية، بل وفقاً لاستشعارها اتجاهات سوقها الأساسي، أي المشاهدين الذين يسمح لهم دخلهم ونمط حياتهم بشراء تذكرة السينما. القاعدة العريضة من هؤلاء المشاهدين تغيّرت مع تغيّر الاقتصاد وأنماط الإنتاج وسياسات التمدين. لم تعد السينما اليوم موجهة لـ»الطبقة الوسطى» بالمعايير الأمريكية، أي «الأمريكيين العاديين» من عمال وموظفين وأصحاب استثمارات صغيرة ومتوسطة، فهذه «الطبقة» لم تعد موجودة في شكلها الاعتيادي، كما طالت مدنها وأماكن تجمعها ولقائها تحولات كبيرة. بات مرتادو قاعات السينما غالباً من المراهقين والمتسوّقين في «المولات» والباحثين عن إبهار بصري غير متوفّر تقنياً في وسائط العرض المنزلية. لم تعد الأفلام حدثاً اجتماعياً، وإنما جانباً من صناعة ترفيه واسعة، وذات منتجات متعددة.

وجّه كثير من المفكرين، من فلاسفة مدرسة فرانكفورت وحتى عدد من باحثي «الدراسات الثقافية» نقداً، بات كلاسيكياً، لصناعة الثقافة الجماهيرية، بوصفها حقلاً أساسياً للهيمنة الأيديولوجية، ولنزع فرادة وعمق وجماليات العمل الفني، لحساب التكرار والتسطيح، إلا أن ثقافة البوب، وبحكم كونها صناعة جماهيرية، لم يكن في إمكانها تجاهل التيارات الاجتماعية والسياسية المؤثّرة في مشاهديها، أو الإسهامات الفكرية والجمالية للثقافات الفرعية والمضادة والمستقلة، التي كانت لها حيثية كبيرة طيلة القرن الماضي. في فترة من تاريخ هوليوود، خاصة بعد عام 1967، سنة صدور فيلم «بوني وكلايد» اقتربت السينما الجماهيرية جداً من الجماليات النخبوية والمستقلة، وذلك بعد نجاح الفيلم المذكور، الذي نبّه المنتجين الكبار إلى أن بعض العمق والجرأة، وترك المساحة لحرية المبدعين، مربح تجارياً. هكذا نشأت «هوليوود الجديدة» التي أنتجت أفلاماً شديدة الأهمية في تاريخ السينما، لجمهور متأثّر بحركات الحقوق المدنية ومناهضة الحرب والتمرّدات العمالية والطلابية. كان يمكن لممثل كبير مثل مارلون براندو أن يرفض تلقي جائزة الأوسكار، بناءً على موقف سياسي متعلّق بدعمه لحقوق سكان أمريكا الأصليين، فينال تقديراً سياساً، أهم بكثير من الجائزة نفسها.

لا معنى لهذا النمط من المواقف اليوم، السوق وجمهوره تغيّرا، حركات الحقوق المدنية باتت «سياسات هوية» ضمن ائتلاف واسع يقوده الحزب الديمقراطي الأمريكي، يشمل الفئات الأكثر حيوية، التي يمكن أن يعوّل عليها صانعو السينما، فالأجيال الجديدة من المراهقين باتت أكثر «تنوعاً» وأغمق لوناً، مع التحولات الديمغرافية في المجتمع الأمريكي؛ نموذج العامل الذكر، رب العائلة الأبوية، تراجع لحساب عاملين مشتتين في «الإنتاج غير المادي» أي الإدارة والتقنية والعلاقات العامة، بينهم كثير من النساء؛ أما أنماط الحياة الحضرية فباتت أكثر فردانية وانهماماً بالقضايا الشخصية والهوياتية، فلا مجال لتجاوز «فخر» المثليين جنسياً ومشاكل الأقليات الثقافية والعرقية، إضافة لهذا فقد استطاع البوب أن يستوعب كل أشكال الثقافات المضادة والفرعية، فلم يعد له «خارج» يفرض عليه جمالياته. ربما كانت حفلات الأوسكار، بـ«أجنداتها» المزعجة لكثيرين، تسعى جاهدة لإرضاء السوق بحالته المستجدّة، في الظرف الصعب الذي تمرّ به الصناعة، وبالتالي فهي محاولة للحل وليست سبباً للأزمة.

مشكلة الترفيه

قد يبدو من الغريب القول إن تحقيق الترفيه الفعلي بات صعباً على صناعته الأكبر في العالم، الناس رأت كل شيء، وما كان محرّماً أو غير مألوف أو مثيراً للاشمئزاز، تم تقديمه بمئات الصيغ في المينستريم الأمريكي منذ الستينيات على الأقل. لم يعد هنالك كثير من الآباء الذين يراقبون ويعاقبون، والجيل، الذي كان يعاني للحصول على نسخة من مجلة «بلاي بوي» ولّى، ليعقبه جيل يستطيع الوصول لـ«محتوى» لا متناهٍ من البورنوغرافيا والعنف، بضغطة زر على الإنترنت.

لا يبقى للترفيه إلا «التريند» والتلصّص، وهذا سبب شهرة برامج تلفزيون الواقع وأبطالها، والضجة التي تثيرها تصريحات النجوم وسلوكياتهم. صار «المينستريم» بما فيه الناشطية السياسية والإعلامية المرتبطة بسياسات الهوية، بلا منافس، فلم يعد في إمكانه أن يُرفّه أو يلتزم بقضايا اجتماعية إلا بالمنطق الأحادي للتريند واقتصاد لفت الانتباه. صفعة من ويل سميث أو تصريحات مثيرة للجدل لممثلة من أصول آسيوية، قد تضخّ بعض الدم في شرايين الترفيه.

ربما كانت أزمة «الصناعة» أزمة فيض إنتاج بشكل من الإشكال، السوق أُغرق بمنتجات ثقافية ترفيهية صار من الصعب تصريفها، وتحصيل قيمها المادية والإنتاجية، فحلّ الكساد. نتفليكس أدركت أن مشاهديها، رغم استرخائهم في بيوتهم، لن يستطيعوا هضم الكم الهائل من الأعمال التي تقدّمها، فشطبت بعض أصولها المادية والفنية والبشرية، كأي مصنع في أزمة.

البحث عن «الخارج»

قد تحمل السنوات المقبلة بشرى للمنزعجين من «أجندات» الأوسكار، إغراق السوق المحلي يؤدي للبحث عن «خارج» له، كما يؤكد دارسو الرأسمالية منذ عقود طويلة، وهذا الخارج هو غالباً السوق الآسيوي (وربما الشرق أوسطي، بالتحديد الخليجي) الذي قد يلعب الدور الحاسم في توجّه الإنتاج السينمائي الأمريكي مستقبلاً، وبالتالي فسيضطر السينمائيون الأمريكيون لتخفيف حدة أجنداتهم، الموجّهة للسوق المحلي، لحساب مراعاة «حساسيات» جديدة، مقبلة من أسواق أخرى، إلا أن هذه الأسواق نفسها قد لا تكون «خارجاً» للدرجة التي يتصورّها البعض، فالصينيون والهنود لم يعودوا مجرد «عالم ثالث» ينبهر بشكل لا مشروط بكل ما يأتيه من أمريكا. وهم بدورهم «رأوا كل شيء» كما أن لديهم ثقافتهم المتميزة، وصناعتهم السينمائية، العريقة والنامية في الآن ذاته، وبالتالي فربما تكون أزمة الصناعة الأمريكية مرشّحة للتفاقم. قد يكون «الخارج» الفعلي، الذي ينقذ «الصناعة» وربما يعيد الحيوية للثقافة المعاصرة برمتها، هو محاولات الخروج من المينستريم السائد، وهي محاولات سياسية بالأساس، تقوم على نقض الائتلافات والأيديولوجيات و»الحس السليم» للبوب الأمريكي المعولم. وإلى ذلك الحين فربما ستزداد متابعة حفلات الأوسكار إملالا؛ والتعليق على ترينداتها عبثية.

كاتب سوري

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى