تحقيقات

كيف ترتبط شبكة تهريب المخدرات الواسعة بالقصر الرئاسي في سوريا – تحقيق مع بعض المقالات التي تضيء جوانب منه-

جمهورية الكبتاغون”: كيف ترتبط شبكة تهريب المخدرات الواسعة بالقصر الرئاسي في سوريا

OCCRP مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه

تعاون الصحافيون على تتبّع انحدار سوريا إلى ما يصفه الخبراء بـ “دولة المخدرات”، حيث غالباً ما تكون الحدود بين السلطات والعصابات الإجرامية غير واضحة. وتكشف الكثير من المقابلات وسجلات المحكمة عن الرسالة نفسها: عائلة الأسد تتزعم تجارة الكبتاغون.

أنجر التحقيق فريق OCCRP وفريق BBC NEWS Arabic، ورشا قنديل، دحام الأسعد، هديل الروابدة وموفق كمال

 وكارمن كريم من (Daraj.com)

في فجر أحد الأيام في أوائل شهر أيار/ مايو، حلّقت طائرات حربية فوق الحدود الشمالية للأردن باتجاه سوريا، وأطلقت صواريخ على منزل مكوّن من طابقين، ما أدى إلى تسويته بالأرض ومقتل كل من في داخله.

لم تكن هذه المنطقة، التي كانت ذات يوم معقلاً للمتمردين الذين يقاتلون نظام الرئيس بشار الأسد، غريبة على الغارات الجوية والتفجيرات. لكن الضحية الأبرز للانفجار، السوري مرعي الرمثان، لم يكن مقاتلاً ثورياً، بل كان مهرب مخدرات بارزاً، متخصصاً في عقار الأمفيتامين غير المشروع المسمّى الكبتاغون.

كان يُطلق على الرمثان (45 عاماً)، والذي قُتل مع زوجته وأطفاله الستة في الغارة، اسم “إسكوبار” المنطقة، تيمناً ببارون المخدرات الكولومبي سيء السمعة. وتظهر سجلات المحكمة أنه مطلوب في الأردن في 57 تهمة بالإتجار بالبشر: بعضها صدرت فيها أحكام وأخرى قيد التحقيق او المحاكمة، وأنه جند أقاربه وأصدقاءه لتهريب المخدرات عبر الحدود، ودفع في أحيان كثيرة أكثر من 10 آلاف دولار لكل عملية ناجحة.

الغارة جاءت بعد أيام من  تحذير المملكة من أنها ستستخدم القوة داخل سوريا للقضاء على المخدرات التي تعبر  إليها.

وعلى رغم أن الأردن لم يؤكد أبداً أنه نفّذ الغارة، إلا أن جيشه أرسل رسالة نصية من أرقام أردنية إلى عديد المهربين السوريين المتهمين بتجارة المخدرات وتهريبها، بعد اغتيال الرمثان،  تدعوهم إلى تسليم أنفسهم لحرس الحدود الأردني. “نعلم من أنتم. تحركاتكم مرصودة. اجتماعاتكم مخترقة. تساهمون في تخريب أبناء شعبنا، ولأجلهم لن نرحم أي شخص منكم. نشامى الأردن ستحلق كالنسور ليتم اصطيادكم مجرماً تلو الآخر. مرعي الرمثان كان الأول وليس الأخير”.

ارتفعت مضبوطات الكبتاغون في الأردن ولبنان بشكل كبير. إذ تم ضبط ما يقرب من 300 مليون حبة، يحتمل أن تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، في البلدين بين عامي 2018 و2020.

خلال العقد الماضي، أصبحت سوريا مركزاً لإنتاج الكبتاغون والإتجار به على نطاق صناعي من مصانع كبيرة تنتج ملايين الحبوب في اليوم، إضافة إلى مصانع متحركة صغيرة ذات مكابس يدوية تنتج حبوباً بدرجة قليلة. ويحظى هذا العقار، غير المعروف نسبياً خارج الشرق الأوسط، بشعبية كبيرة في أجزاء من المنطقة، بخاصة دول الخليج العربية الغنية بالنفط مثل المملكة العربية السعودية، حيث يمكن أن يصل سعر القرص الواحد إلى 20 دولاراً.

دمرت الحرب الأهلية الاقتصاد الرسمي في سوريا، لكن تجارة الكبتاغون انتعشت. ويقدر الخبراء أنها قد تجني ما بين 5 مليارات دولار إلى أكثر من 50 مليار دولار سنوياً. وحتى التقدير الأصغر سيتجاوز إيرادات الدولة السورية السنوية.

أسفرت عمليات ضبط المخدرات في أوروبا والشرق الأوسط، عن مجموعة متزايدة من الدلائل على أن السلطات السورية تساعد في إدارة التجارة، لا سيما في ما يتعلق بتشكيل الفرقة الرابعة النخبوبة في الجيش السوري  بقيادة ماهر الأسد، شقيق الرئيس بشار. وتشمل الدلائل والاتهامات عدداً من أبناء عمومة الأسد، وكذلك الحركة السياسية والعسكرية اللبنانية “حزب الله”.

ارتفعت مضبوطات الكبتاغون في الأردن ولبنان بشكل كبير. إذ تم ضبط ما يقرب من 300 مليون حبة، يحتمل أن تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، في البلدين بين عامي 2018 و2020. فقد فتحت جريمة تهريب المخدرات من سوريا مرحلة جديدة قاتمة في الصراع الدائر في البلاد، حيث تتصارع الميليشيات مع تجار المخدرات – الذين يعملون في كثير من الأحيان جنباً إلى جنب مع السلطات السورية – ضد القوات الأمنية في البلدان المجاورة.

أمضى فريق من مشروع تتبّع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود  OCCRP وتلفزيون  BBC أكثر من عام في التحقيق حول ما بات يُسمى بـ “حرب المخدرات” التي تشنّها سوريا على المنطقة ، حيث شاركوا مراراً مع القوات الأردنية واللبنانية في عمليات خلال الليل والنهار لمكافحة المخدرات، وأجروا مقابلات مع مهربين وضباط أمن وخبراء عسكريين ودبلوماسيين وجنود سوريين حاليين وسابقين.

كما راجع الصحافيون سجلات المحاكم الخاصة بقضايا المخدرات في ألمانيا والأردن ولبنان، بما في ذلك سجلات تحقيق أجراه ضباط شعبة أمن المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي اللبناني مع  “ملك الكبتاغون” حسن دقو، في بيروت، بعد إلقاء القبض عليه في عام 2021، وحصلوا على لقطات فيديو حصرية التقطتها ميليشيا سورية طردت  مهرب الكبتاغون من قريتهم في  محافظة السويداء.

تعاونت المؤسستان معاً على تتبّع انحدار سوريا إلى ما يصفه الخبراء بـ “دولة المخدرات”، حيث غالباً ما تكون الحدود بين السلطات والعصابات الإجرامية غير واضحة. وتكشف الكثير من المقابلات وسجلات المحكمة عن الرسالة نفسها: عائلة الأسد تتزعم  تجارة الكبتاغون.

قال جويل رايبورن، المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى سوريا، في مقابلة مع BBC،  إن “نظام الأسد يشن حرب مخدرات على جيرانه، بالتحديد الأردن والسعودية. ويضطر الأردن الى استخدام كل وسائل الدفاع المتاحة لديه “للرد عليها”.

ولا يخامر السفير رايبورن شك في من يدير حرب المخدرات ولماذا. وقال، “الأسد يقوم بذلك كله لزعزعة استقرار جيرانه، هذه  خطته الرئيسية، وأيضاً لاستمرار حصوله على الموارد التي يحتاجها لمواصلة الحرب على شعبه”.

لم ترد الحكومة السورية والجيش السوري على محاولات BBC المتعددة للتواصل معهما. لكن سابقاً، نفت الجهتان أي ضلوع لها في إنتاج الكبتاغون وتهريبه. ويؤكدان باستمرار أنهما يكافحان هذه العملية.

ما هو الكبتاغون؟

الكبتاغون هو الاسم التجاري لفينثيلين هيدروكلوريد، وهو دواء اخترع أصلاً في ألمانيا الغربية في ستينات القرن العشرين لعلاج اضطراب نقص الانتباه والاكتئاب.

تم حظر الكبتاغون في معظم البلدان في عام 1986، ووجد حياة ثانية كمخدر ترفيهي في الشرق الأوسط، بخاصة دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. كما أصبح شائعاً بين المقاتلين خلال الحرب الأهلية السورية.

في الوقت الحاضر، تبتعد الحبوب غير المشروعة عموماً من الصيغة الأصلية للدواء، وقد تتضمن مجموعة من المواد بما في ذلك الكافيين أو عقار الثيوفيلين أو الباراسيتامول.

مكافحة تهريب المخدرات في الأردن

تمتد حدود الأردن على الواجهة الشرقية بطول 531 كم مربع، تغطي طبيعة متنوعة تبدأ بمساحات خضراء على الحدود الإسرائيلية – الأردنية غرباً، وتنتهي بمناطق  صحراوية تلامس حدود العراق والسعودية شرقاً.

قام الصحافيون بجولة في المنطقة مرات عدة، مستقلين قوافل عسكرية أردنية على طول “المنطقة العازلة” للجبهة الشرقية مع سوريا والممتدة من قرية كوم الرف الى عنازه، حيث تنشط عصابات تهريب المخدرات العاملة في درعا، وتحديداً حول تل شهاب والسويداء ذات التضاريس الصعبة، وفي البادية السورية.

في بعض المناطق المحاذية لقرية “كوم الرف” مثلاً، تبلغ المنطقة العازلة 150 متراً. في مناطق أخرى، هناك هضاب وجبال ووديان وصخور، تشكل تحدياً للمراقبة بالمقارنة مع مساحات شاسعة من الصحراء المفتوحة كلما سرنا شرقاً. على مد النظر، شاهد الصحافيون أطواقاً من الأسلاك الشائكة والسواتر الرملية والخنادق  والأبراج والسرايا. في زيارة أخيرة للمنطقة بداية العام الحالي، بدا وكأن الطريق الصحراوي قد أعيد تمهيده حديثاً، ما يسهل لسيارات الجيب المزودة برشاشات آلية التحرك في المنطقة بسرعة.

منذ أن استعاد نظام الأسد و”حزب الله” اللبناني والميليشيات الموالية  له ولإيران، السيطرة على جنوب سوريا قبل أربع سنوات، شهدت المنطقة تزايداً غير مسبوق في عمليات التهريب والتسلل باتجاه الأراضي الأردنية مقارنة بفترات سابقة. وأصبحت المنطقة طريق العبور البري الرئيسي لمهربي الكبتاغون الذين يتسللون بالمخدرات نحو الأسواق في الخليج، بخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. تنتشر ضمن المنطقة الجنوبية مجموعة واسعة من شبكات التهريب، وتعمل على  مراحل عدة: مرحلة التصنيع في الجنوب ومناطق أخرى داخل سوريا قرب الحدود مع لبنان، ثم نقل المخدرات إلى مناطق تخزين موقتة، ومنها الى نهائية بالقرب من المنطقة الحدودية، والمرحلة الرابعة التنفيذ.

يقول الجيش الأردني إنه أحبط أكثر من 1700 محاولة تهريب وتسلل منذ عام 2020.  لا تشمل الأرقام عمليات ضبط تهريب مخدرات في مخابئ سرية داخل شاحنات نقل تدخل المملكة أو تعبرها ترانزيت، حيث توضّب المخدرات داخل جسم المركبة أو بين ألواح خشبية وشحنات فاكهة وكتل رخامية أو في سيارات سفر تحمل ركاباً، وقد تخبأ في أمتعة شخصية وهياكل العربات التي تمر عبر معبر نصيب الحدودي مع سوريا.

قال مسؤولون أردنيون إن أساليب المهربين تغيرت أيضاً خلال العامين الماضيين: يتبعون طرقاً مبتكرة في عملياتهم من حيث التوقيت والأدوات والإجراءات. يختارون التوقيتات بعناية من خلال استغلال الظروف الجوية السيئة، والتي تتدنى فيها الرؤية، بخاصة خلال تشكل الضباب الكثيف والعواصف الرملية التي تشتهر بها المنطقة. كما يستخدمون التكنولوجيا المتطورة بحسب مسؤولين، ما يدل على كمية الدعم المتوافر لهذه المجموعات التي تنفذ عمليات التهريب، ومثل ذلك الطائرات المسيرة والنظارات الليلية والمدافع الرشاشة وأجهزة الاتصالات التشاركية وهواتف الثريا. ويشتبكون مع الضباط الأردنيين في معارك بالأسلحة النارية. وهناك إصرار لدى المهربين على استخدام “القوة المميتة كما حصل قبل عام ونيف.

سابقاً، لم يصل عدد المجموعة إلى خمسة، وغالبيتهم لم تكن مسلحة. الآن، هناك ازدياد كبير في عدد عناصر مجموعات التهريب والتي وصلت خلال الفترة الماضية الى نحو 200 شخص للعملية الواحدة، ما استدعى القوات المسلحة إلى تغيير قواعد الاشتباك  في كانون الثاني/ يناير 2022 من خلال إطلاق النار لقتل أي هدف يتحرك داخل المنطقة العازلة. في أحيان أخرى، يتم التهريب باستخدام مجموعات مقسمة من ثلاث الى أربع مجموعات، كل مجموعة تتألف من عشرة الى عشرين مهرباً محملين بأكياس المخدرات مع وجودهم في أماكن مختلفة لتشتيت الجهد العسكري الأردني.

وبحسب الرواية الرسمية، تقترب هذه المجموعات الى المواقع الخلفية السورية بالآليات ومن ثم تترجل  ويبدأ السير بنظام المجموعات والتقرب باتجاه الحدود الأردنية وتحيين اللحظة الجوية المناسبة للعبور باتجاه الأراضي. ويتعرض الجنود الى رماية من داخل الأراضي السورية في بعض الأحيان عندما يشتبكون مع المهربين. وتتبع المجموعات المسؤولة عن التهريب والتجار الكبار  أسلوب التعاقد مع “حمالين” مقابل أجر، يحملون حقائب ظهر وأكياساً مصنوعة من الخيش بلون الرمل لتنفيذ عمليات التهريب، وذلك تحسباً لعملية اعتقالهم، إذ لا يمكن استخلاص أي معلومات مفيدة منهم. كما تهرب المخدرات داخل إطارات كاوتشوكية  يدحرجونها الى الجانب الأردني أو يحملونها على حيوانات أو يضعونها  في أكياس صغيرة تربط بجسم طائرة من دون طيار أو ينقلونها في سيارات دفع رباعي تسمى شاص.

في مقطع فيديو حصري، لإحدى العمليات التي تم إحباطها، والتي شاهدتها OCCRP داخل مديرية أمن الحدود الذي يراقب جنوده الحدود مع سوريا على مدار الساعة باستخدام كاميرات رؤية ليلية عالية الدقة مربوطة بمركز القيادة والتحكم، تقترب مجموعة من حوالى 70 رجلاً من الساتر الأردني لكي يتجاوزوا الحدود ويدخلوا الأردن. ثم إبلاغ قوات حرس الحدود التي تقف على أهبة الاستعداد. ثم نرى دورية رد الفعل السريع تتحرك صوبهم وتطبق قواعد الاشتباك الجديد، وتطلق النار عليهم بشكل مباشر. فور تعرضهم للرماية تحركوا. ثم زحفوا وتراجعوا. وقال أحد الضباط: هذا درس لهم ولغيرهم بألا يقتربوا من أراضينا أبداً”. في فيلم آخر ، تظهر صور التقطت في ما يبدو من داخل سوريا، مجموعة كبيرة من الرجال يطلقون طائرة مسيرة من خلف جدار تابع لمنشأة ما باتجاه الأردن.

قصة مهرّب

قال مهرب سابق أخفى عينيه خلف نظارة شمسية ذات زجاج داكن ولفّ غالبية وجهه بغطاء رأس تقليدي أبيض وأحمر في بلدة المفرق الحدودية الأردنية، إن ضعف الأمن منذ الحرب الأهلية السورية سمح للقبائل المحلية التي يعيش أفرادها على جانبي الحدود، بالتحرك بسهولة أكبر.

وقال مهرب المخدرات، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إنه دخل التجارة مقابل المال بسبب ظروفه المعيشية الخانقة، على الرغم من أنه في بعض الأحيان كان يكسب نحو 15 دولاراً فقط في اليوم. ترك المهنة عندما ازدادت الضغوط عليه – وقد صُدم عندما سمع عن اثنين من المدمنين الشباب الذين فقوا  عيون بعضهم البعض في نوبة من الجنون.

وأضاف المهرب: “لقد تركتها إلى الأبد، والحمد لله”. لكن بالنسبة الى الشباب، والناس بشكل عام، إنه دمار كامل”.

أصبح التهريب عبر الأردن أكثر خطورة منذ أن غير حرس الحدود قواعد الاشتباك على حدوده في كانون الثاني/ يناير من العام الماضي، بعد استشهاد النقيب محمد خضيرات وجرح ثلاثة من رفاقه، في اشتباك مسلح مع مهربين في منطقة قريبة من كوم الرف، في كمين نصبه مهربون لدورية الجيش وسط برد وضباب كثيف فجر. وعلى الفور، منح الجيش صلاحية إطلاق النار على كل من يقترب من الحدود.

وبعد أسبوع من الجنازة المهيبة التي شارك فيها الملك عبدالله الثاني، قتل الجنود الأردنيون بالرصاص ما لا يقل عن 27 مهرباً أثناء محاولتهم عبور الحدود، من بينهم شابان لم يبلغا الثامنة عشرة من عمرهما. دفنت الجثامين في مقابر في المملكة بعدما  فشل أهلهم في المطالبة باسترداد جثث أبنائهم. وقال صحافي لـ BBC متخصص في تغطية نشاطات المهربين في السويداء، إن أهاليهم يخشون الخضوع لتحقيق في حال ذهبوا الى الأردن لاستلام الجثث  “لأنهم يعرفون أن أبناءهم متورطون في المخدرات”.

وقال العميد الركن مصطفي الحياري، الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة الأردنية ومدير الإعلام العسكري، في مقابلة مع BBC، إن الأردن “يواجه نشاطات إجرامية تهدف الى ضخ كميات كبيرة من المخدرات الى داخل الاردن”. وأضاف، أن هاجسنا الأكبر هو الجماعات المسلحة… هذه الميليشيات تتلقى المساعدة من المخافر السورية. وفي معرض رده على سؤال يتعلق بأن هناك ترجيحاً لدور تقوم به الفرقة الرابعة السورية في تصنيع الحبوب المخدرة بحسب ما رصد الفريق خارج الأردن، قال العميد الحياري، “ما يهمني هم العناصر الذين أراهم بشكل يومي أمامي منتشرين على الحدود سواء كانوا تابعين للفرقة الرابعة أو لأي جهة أخرى، فهم يشكلون تهديداً لي”.

وختم قائلاً، “هذا التهديد موجه الى بنية المجتمع الأردني والمجتمعات المحيطة به في هذه المنطقة”.

من جهته، قال ضابط استخبارات عسكرية رافق الفريق في جولته الحدودية الأولى الصيف الفائت، إن تجار المخدرات يستهدفون تجنيد الشباب من فئة عمرية تتراوح بين 18 – 30 عاماً، ويستغلون الظروف المعيشية الصعبة جداً في الداخل السوري “لشرائهم” مقابل العمل معهم. وأضاف أن المعلومات التي تصلنا من الجهات المعنية المختصة “تفيد بأن عمليات التهريب هذه منظمة تتبع لتنظيمات أو منظمات مختصة بتجارة المخدرات”.

وأظهرت مراجعة لمحاضر تحقيقات وقرارات تتعلق بـ 25  قضية مخدرات في الأردن، ما بين عامي 2015 إلى 2022، أن معظم المهربين المتورّطين يعيشون في محافظتي درعا والسويداء في جنوب سوريا، وهما بؤر لتهريب الكبتاغون. ويخططون لعمليات التهريب خلال جلسات وسهرات عائلية ويتفقون على الطرق والكميات والمبالغ المدفوعة لقاء ذلك. بعضهم اعترف بأنهم يخفون المخدرات في مناطق معينة على الحد والساتر الترابي، ثم يستلمها أقاربهم من الجانب الأردني. أبرز المناطق التي وردت في المحاضر والتي تقع على الحد من طرف السويداء ومحافظة المفرق الأردنية هي الكوكلية، تلال شهاب،م نطق عنيزه الصحراوية، منطقة الرماح ، ومنطقة وادي الملطاط الأصفر شرق مدينة المفرق.

وكشفت المحاضر أن المهربين ينتمون الى عشائر بعينها، تكررت في غالبية القضايا المضبوطة رغم تغيّر الأشخاص، وهي: الرمثان، الغياث، الشرفات، المساعيد، العيس من المفرق والشبل والوردات والنبهان من الرمثا.  ويقول مسؤولون إن نحو 90 في المئة من المخدرات المهربة التي تدخل الى الأردن، تخزّن في قرية “منشية الغياث” التي تقع ضمن لواء الرويشد على الطريق الرئيسي المؤدي الى العراق وسوريا. تبعد المنشية  195 عن مدينة المفرق الحدودية مع سوريا.

في الصيف الماضي، نفذت القوات الأمنية حملة ضد تجار المخدرات هناك، وهربوا في غالبيتهم واختبأوا في الصحراء. ويتم التهريب من السويداء الى المفرق عبر الساتر الترابي ومنطقة الحد. أما طرق التهريب عبر مدينة الرمثا الحدودية، فتتم غالباً بالاتفاق مع شخص من سكان المدينة ممن يعبرون الى سوريا من السائقين. ويسمي المهربون الكبتاغون والحشيش بأسماء حركية مثل جيب، حصان، راس النسر، عنبر الكيف، لكزس واكستاسي بحسب المحاضر.

وقدر العقيد حسان حسين القضاة، مدير إدارة مكافحة المخدرات التابع لمديرية الأمن العام، في مقابلة مع OCCRP، أن هناك ما يقرب من 165 شبكة  مخدرات تعمل داخل سوريا، تصنع الكبتاغون والحشيش و” الكريستال ميث” أو “مادة الشبوه”، وهو الخطر الأكبر الذي سيجتاح المنطقة لأنه يضرب الموصلات العصبية في الدماغ ويفقد المتعاطي حاسة الخوف والسيطرة على نفسه، وقد يلقي بجسمه من الطابق الرابع الى الأرض. يباع قرص الكبتاغون في الأردن بنحو دينار ونصف الدينار، أي نحو 3 دولارات.  ولكن حشيشة الكيف هي المخدر الأكثر انتشاراً في المملكة، يليها الكبتاغون.

وتُصنع الشبوة، بحسب مسؤولين في ريف دمشق السوري، بعدما أدخلته إيران عبر المعابر الحدودية مع العراق ومنها الى سوريا. وهي تشبه زجاج الكريستال المطحون، ويتم حرقها وتنفسها عن طريق الأنف. يباع الغرام الواحد منها بـ60 ديناراً أردنياً، أي نحو تسعين دولاراً أميركياً. في 2020، كانت نسبة الشبوة التي تم ضبطها في الأردن نحو 3 في المئة من إجمالي المخدرات المضبوطة، لترتفع النسبة في العام 2021 إلى 12 في المئة،  والى 20 في المئة العام الماضي.

هروب راجي فلحوط

منذ أسابيع، يخضع مهرب الكبتاغون سيئ السمعة، السوري راجي فلحوط، لعقوبات أميركية وبريطانية لتورّطه في تجارة المخدرات ودعمه نظام الأسد. وقدّم طرده من منطقة السويداء العام الماضي، مزيداً من الدلائل حول علاقة السلطات السورية بالتجارة.

كان  فلحوط يدير ميليشيا قوامها 60 رجلاً في  بلدة عتيل الحدودية. وفي تموز/ يوليو الماضي، هاجمت ميليشيا محلية تُعرف باسم “رجال الكرامة” مقر فلحوط، بسبب ممارسات مثل العنف والإجرام والمخدرات.

بعد معركة بالأسلحة النارية، هرب فلحوط. وعندما فتش المقاتلون قاعدته وجدوا أدلة كثيرة على تورطه في تجارة الكبتاغون: وأظهرت لقطات لهاتفه الشخصي المحمول تمت مشاركتها مع OCCRP وBBC، آلة صغيرة لضغط الكبتاغون، وأكياساً من الحبوب مكدسة فوق بعضها البعض جاهزة للبيع.

وعلى القدر نفسه من الأهمية، تم العثور على بطاقة هوية تظهر أن فلحوط نفسه كان عضواً في المخابرات العسكرية السورية. وأشار دليل آخر إلى أن فلحوط كان يعمل بمعرفة السلطات السورية.

أظهر هذا الهاتف، الذي اطلع عليه الصحافيون، اتصالات مكثفة مع ضباط الجيش السوري في إحدى المحادثات. يتلقى فلحوط أوامر من رئيس فرع المخابرات السورية في السويداء لمعاقبة السكان المحليين المناهضين للحكومة. وفي محادثة أخرى، يقول له إن احتفالية السويداء بفوز الأسد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، يجب أن تكون “الأحلى”. وفي محادثة أخرى، يتوسط شاب فلحوط لكي ينهي ملفه عنده بدل مراجعة الفرع الرئيسي في العاصمة. يقول العميد له: بس تتحول القضية للمحكمة ويأخذ كف طلب، فوراً تلغي الإجراءات بحقه”.

كما ربطت اتصالات بين فلحوط واللبناني الخارج عن القانون، حسين رياض الفيتروني، المحتجز في لبنان منذ كانون الأول/ ديسمبر 2022، بتهمة الإتجار بالمخدرات والاعتداء المسلح.

تظهر المحادثة قيام فلحوط بتنظيم عمليات نقل معدات صنع الكبتاغون من  الفيتروني، الذي أرسل الآلات في ما يبدو إلى سوريا من لبنان.

تربط الفيتروني أيضاً، علاقات صداقة بحسب ما تظهر صوره على مواقع التواصل الاجتماعي، بنوح زعيتر، الذي أدرجته وزارة الخارجية الأميركية على لائحة العقوبات، لارتباطه بالفرقة الرابعة ودعمه النظام السوري وقيامه بتصدير الكبتاغون… وتابعت وزارة الخزانة أنه يرتبط بشكل وثيق مع بعض من عناصر “حزب الله”. زعيتر تاجر السلاح والمخدرات هذا، مطلوب من السلطات اللبنانية بتهمة الإتجار بالمخدرات.

“ملك الكبتاغون” في لبنان

في 24 آذار/ مارس 2021، ضبطت الشرطة في ماليزيا أكثر من 93 مليون حبة كبتاغون مخبأة في عجلات صناعية متّجهة إلى المملكة العربية السعودية. كما قدمت الشحنة، التي كانت قيمتها على الأرجح أكثر من 1.2 مليار دولار، تلميحات إلى تورط الفرقة الرابعة السورية في تجارة المخدرات، على الرغم من أن القاضي اللبناني الذي أصدر الحكم على حسن دقو العام الماضي وجد خلاف ذلك.

بعد أسابيع قليلة من ضبط شحنة الكبتاغون، اعتقل ضباط في شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي في لبنان حسن دقو، 36 عاماً، في سيارته في منطقة الرملة البيضاء في بيروت، لارتباطه بملف تحقيق آخر مع اثنين من مهربي المخدرات اللبنانيين. واتهم دقو، الذي يحمل الجنسيتين اللبنانية والسورية، بإدارة إمبراطورية مخدرات في منطقة الطفيل في سهل البقاع اللبناني، الذي يمتد على طول الحدود السورية.

أثناء تفتيش منزل دقو، عثرت الشرطة على ما يقرب من مليوني دولار نقداً، بينما كان هناك 1.1 مليون دولار أخرى في خزانة في شركة إنشاءات مسجلة باسم زوجته.

نفى دقو تورطه في المخدرات، وادعى أنه كان يعمل في الفرقة الرابعة. وأظهر للمحققين بطاقة هوية رسمية تابعة للفرقة الرابعة، وقال إن الوحدة كلفته في الواقع بالمساعدة في تعقّب تهريب المخدرات.كما عمل دقو مع شعبة أمن المعلومات في لبنان، وسرّب معلومات حول شحنات الكبتاغون التي هربها منافسوه. وقال دقو إنه مرر معلومات تتعلق بشحنات مهربة للأجهزة الأمنية في الإمارات والسعودية عبر مصدر. لكن القاضي اللبناني الذي أصدر حكماً بالسجن سبع سنوات على دقو في أواخر العام الماضي، أكد أنه كان واضحاً أن دقو كان يتكتم عن بعض الشحنات خلال إخباراته لشعبة أمن المعلومات.

وقال القاضي إن المحكمة خلصت إلى أنه لا يوجد دليل على تورط مسؤولين سوريين في التهريب، لكن سجل استجواب دقو يشير إلى خلاف ذلك. وتحتوي السجلات، وهي عبارة عن مجلد مكتوب بخط اليد من 651 صفحة جمعته الوحدة الاستخبارات التابعة لقوى الأمن الداخلي، على نصوص لمحادثات هاتفية تم التنصت عليها لدقو مع المهربين في لبنان وسوريا. كما تظهر في ما يبدو محادثاته مع عملاء الفرقة الرابعة، ورئيس مكتبها الأمني، غسان بلال، الذي فرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة عقوبات لدوره في حملة القمع التي شنها الأسد عام 2011 والحرب اللاحقة.

تظهر سجلات الاستجواب أن الكبتاغون الذي تم ضبطه في ماليزيا كان قد غادر من ميناء في الشرق الأوسط.

وكان دقو على اتصال مع مسؤولي الفرقة الرابعة عبر تطبيق “واتسآب” قبل شحن تلك المخدرات بحسب ما يظهر مجلد الاعترافات.

أحد الأرقام، تم حفظها تحت اسم “المعلم” – كان رقم الهاتف مكوناً بالكامل تقريباً من الرقم “3” مكرر. م. وعادة ما تخصص هذه الأرقام، المعروفة في سوريا باسم “الأرقام الذهبية أو المميزة”، لكبار المسؤولين. على شاشة الرقم، تظهر كلمات مأثورة للرئيس الراحل حافظ الأسد: الوطن غال والوطن عزيز والوطن شامخ والوطن صامد، لأن الوطن هو ذاتنا”. بينما ربط تطبيق تحديد هوية الهاتف Truecaller الرقم ببلال وعنوان بريده الإلكتروني.

يرسل دقو الى هاتف المعلم صور أربع بطاقات شخصية صادرة عن وزارة الداخلية، ويقول له: من بعد أمرك هاي صورة الهويات كرمال سياسية الريف  + اي فرع الأمن السياسي لريف دمشق+.

 فيرد عليه المعلم: “موافق”  رمز تعبيري

بعد أسابيع يقوم بتذكيره: “من بعد أمرك البطاقات عندكن للشباب بدهن تجديد إذا بتتكرم علينا”.

يرد عليه: موافق + برمز الإبهام

تسمح هذه البطاقات للناس بالتنقل بسهولة أكبر عبر نقاط التفتيش التي أصبحت منتشرة في كل مكان عبر الأراضي التي يسيطر عليها النظام السوري.

وفي محادثة أخرى، يخبر دقو “المعلم” عن قيامه باستئجار مستودع في ضاحية الصبورة، وهي منطقة خاضعة لسيطرة الفرقة الرابعة، حيث خططوا لتخزين “البضائع” القادمة من لبنان.

دقو: خال، خذنا مستودعاً في الصبورة المنطقة الصناعية جمعيات الرائد والمزرعة على طريق الصبورة باتجاه قرى الأسد دخلة مستودعات حمشو. بس حبيت خبرك. وأخبرنا أبو خالد. ومنشان ننزل الاغراض من الجديدة + جديدة يابوس هي المعبر الحدودي بين لبنان وسوريا+. ل

رد المعلم: ليش من الجديدة. يعني الأعراض جاي من لبنان؟

يرد دقو: هلا خال ـ موجودة الأغراض في الجديدة ودايما منحرك الأغراض من جديدة. ما عندي أغراض تحت.

لم يرد اللواء بلال على محاولات bbc الحديث إليه عبر رقمه المبرز في وثائق التحقيق و الإيميل الذي حصلنا عليه من تطبيق ت”رو كولر”.

 وفي تبادل عبر تطبيق “واتسآب” قبل ثلاث أسابيع من ضبط شحنة ماليزيا مع شخص سجله باسم “M” على هاتفه، يسأل دقو:

دقو: كيفك خال؟ كان من المفترض أن نقوم بالتحميل يوم الأربعاء وأنت لم تخبرني بأي شيء؟

M: مرحبا عزيزي. كانت هناك بعض المشاكل في الشحنة، ولم تكن هناك سفن متاحة. على أي حال، نأمل أن نقوم بالتحميل الأسبوع المقبل.

في محادثة أخرى قبل ثلاث أسابيع من ضبط الشحنة، ينخرط دقو وM في الحديث عن الأمور اللوجستية الخاصة بشحنة يبدو أن مواصفاتها تتطابق مع الشحنة التي ضبطت لاحقاً.

M: في يوم ضبط الشحنة، يبدو أن دقو و”M” يتدافعان لمعرفة ما إذا كانت شحنتهما هي التي استولى عليها الماليزيون.

دقو: الحاويات بألوان مختلفة. هذه عليها ورقة بيضاء.

M: لكن خال ، إنه نفس الترتيب / التعبئة والتغليف.

دقو: العدد والوزن مختلفان. نحن أقل بكثير ووزن أقل بكثير. حصلت على مقطع فيديو أرسلته إلى الرجل الذي قام بالتحميل. أخبرني أن حاوياتنا زرقاء وبيضاء. وهذه لونها أحمر.

M: أرسل لي الفيديو.

راجي فلحوط وقصة تخبط دروز سوريا

في اعترافاته، ادعى دقو أنه كان يحاول فقط مساعدة الفرقة الرابعة في تتبع شحنات تهريب من أشخاص يحاولون أن يتهربوا من دفع الضرائب.  وأصر على أنه تحدث فقط مع مهربي المخدرات اللبنانيين والسوريين بحسب المراسلات والصور المضبوطة على هواتفه، لأن هذه الاتصالات ساعدته على مراقبة المهربين لصالح الفرقة الرابعة وأجهزة أمنية عربية أخرى.

وعُثر على فاتورة في أحد هواتف دقو تتبع لشحنة عجلات صناعية من جمهورية التشيك، كالتي عثر عليها داخل شاحنة ماليزيا المضبوطة، معبأة بحبوب الكبتاغون.

يبدو أيضاً أن دقو كان يتمتع بعلاقات مع كبار المسؤولين. ففي صورة نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، يتوسط رئيس الوزراء السابق سعد الحريري دقو وزوجته.

وامتدت صلاته إلى الجانب الآخر من الطيف السياسي أيضاً. إذ قال دقو للمحققين إنه كان يسافر بانتظام إلى سوريا في قوافل عسكرية تابعة لـ”حزب الله”، وأنه زود المجموعة بمعلومات عن رجال مسلحين في المنطقة الحدودية الجبلية في لبنان.

“أفيدكم انه لم اتوجه لسوريا عن طريق +النقطة الحدودية + المصنع لكن معظم سفراتي الى سوريا كانت تتم عبر مواطب عسكرية تابعة لحزب الله في المصنع او الطفيل خاصة وأن المنطقة الأخيره الى الطفيل يستطيع الاشخاص الدخول الى سوريا والخروج منها دون ختم اة دخول شرعي”.

وأضاف: “بالنسبة لحزب الله عملت مع مجموعة 900 وبالتنسيق مع الفرقة الرابعة”.

وقال ضابط أمني لبناني لـ OCCRP، طالباً عدم الكشف عن هويته، “لم يعتقد أبداً أنه سيتم اعتقاله لأنه كان محمياً من حزب الله”.

 من جهته، قال المحامي علي الموسوي بوكالته عن دقو، إن موكله تعرض لـ”حملة إعلامية وسياسية منظمة وملفقة”، وإن ملاحقته ومحاكمته كانتا لأغراض سياسية، لا سيما أنه لم يتم ضبط أي حبة كبتاغون معه أو في أملاكه.

وأضاف كتاب وجّهه الى BBC: “أوكد لكم المظلومية التي تعرض لها الموكل، إذ إنه بدل مكافأته على الجهود التي بذلها في سبيل الكشف عن عمليات التهريب التي تصله معلومات بشأنها، تقاطعت المصالح السياسية مع مصلحة أفراد العصابات للنيل منه وإزاحته عبر الزجّ به في السجن”. 

وقال، “إن شحنة ماليزيا التي ضبطت على هاتفه أثناء التحقيق معه لم تكن باسمه أو باسم أي شركة من الشركات”.

وختم الموسوي قائلاً، “إن محكمة الجنايات لم تبين دليل الإثبات على اشتراك الموكل بأية شحنة تهريب حبوب، وإن الشحنة الموجودة على هاتف الموكل لدى توقيفه كانت موجودة على هاتفه لأنها أرسلت الى أجهزة أمنية لبنانية”.

وينفي “حزب الله” لعب أي دور في إنتاج المخدرات أو الإتجار بها، كما ينفي الكثير من المسؤولين في لبنان – حيث تتمتع الجماعة بنفوذ هائل – ربطها مباشرة بالتجارة. وقال أحد المسؤولين إن العمل يتناقض مع أيديولوجية الحزب. وقال آخر إن “عناصر من الحزب” فقط هي المتورطة وليس الحزب.

لم يرد الناطق الرسمي باسم “حزب الله”، محمد عفيفي، على طلب الـ BBC الحصول على تعليق.

لكن أشرف ريفي، وزير الداخلية السابق ورئيس قوى الأمن الداخلي اللبناني، قال إن افتقار لبنان الى السيطرة على حدوده الشرقية والشمالية الشرقية، سمح لـ”حزب الله” بفعل ما يحلو له.

وأضاف ريفي، وهو عضو في كتلة سياسية معارضة لـ”حزب الله”، في منزله الذي يخضع لحراسة مشددة في طرابلس – لبنان: “نحن نعلم جيداً أن جزءاً من تمويل حزب الله يأتي من الجريمة المنظمة والمخدرات”. وتابع: “من يكون مقرباً من حزب الله في لبنان، أو من أحد أجهزة النظام السوري، فإن مشاكله القانونية تكون أخف نظراً الى وجود قوة خارجة عن القانون توفر له الحماية”.

دقو أيضاً مطلوب لتنفيذ حكم قضائي في الأردن مدته 20 عاماً، صدر بحقه غيابياً في تشرين الثاني/ نوفمير 2021. وكانت السلطات اتهمته بأنه كان يمتلك مصنعاً خارج عمان، وكان يصنع المبيدات الحشرية والمنظفات، لكنه كان يستورد مواد كيماوية من الصين تدخل في صناعة المبيدات والمنظفات، وفي تصنيع الكبتاغون أيضاً. وكان المصنع يصدر السلائف الكيماوية هذه  الى سوريا.

وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على دقو هذا العام لتورطه في عمليات تهريب المخدرات، التي قالت إن الفرقة الرابعة نفذتها بغطاء من “حزب الله”.

مهرب بعلبك

قال ضباط في الجيش اللبناني إنهم يكسبون المعركة ضد مهربي الكبتاغون. لكن أحد المهربين في سهل البقاع الشمالي روى قصة مختلفة.

في حديثه عبر رابط الفيديو مع فريق التصوير، قال المهرب – الذي استخدم الاسم المستعار “علي”، إن الفقر في منطقته، وهي منطقة تهريب على الحدود الجبلية اللبنانية مع سوريا، دفع الكثيرين الى الانضمام إلى تجارة الكبتاغون.

وأضاف: “جميع مسؤولي الدولة يغضون الطرف”.

ولفت الى أنه عندما تكون لدى المهربين شحنة،  يتوجهون ببساطة إلى قائد المنطقة في لبنان ويطلبون منه يوماً ووقتاً للعبور. ثم يعرض عليهم القائد سعراً مقابل أن يتغاضى عنهم.

وأكد قائلاً، “إذا كان بإمكاني تحقيق ربح، فلمَ لا؟”.

وقال ناطق رسمي باسم الجيش اللبناني، في رد مكتوب أرسل الى BBC، “كنا نتمنى عدم بث أي اتهامات لنا من قبل  المطلوبين تطاول قواتنا الأمنية والعسكرية التي تعمل بجهد كبير، وسقط لنا خلال مكافحة المخدرات شهداء. ولو أننا كنا لنؤثر عدم الرد على المجرمين، نحب أن نوضح ما يلي: الجيش خاض وما زال معركة لا رجعة فيها لاجتثاث عصابات الجريمة المنظمة وأبرزها تجار المخدرات والكبتاغون، فدمر بنيتهم التحتية ومصانعهم وحقق إنجازات أساسية ووضع هؤلاء المجرمين في وضع سيئ جداً. والجيش لن يتأثر بكذب المطلوبين للعدالة وافتراءاتهم ومحاولة تشويه صورة العسكريين بهدف زعزعة هيبة المؤسسة العسكرية”.

قضية ألمانية تربط شحنات المخدرات بعائلة الأسد

بعيداً من لبنان، كشفت عملية ضبط كبيرة أخرى عن المزيد من الروابط بين صناعة المخدرات والسلطات السورية – بمن في ذلك أفراد عائلة الأسد.

في نيسان/ أبريل 2020، صادرت السلطات الرومانية شحنتين من الكبتاغون والحشيش في ميناء كونستانتا الروماني، تبلغ قيمتهما معاً أكثر من 130 مليون يورو، من أصل 540 مليون دولار. كانت المخدرات، بما في ذلك  -500-      6.2  مليون حبة كبتاغون مخبأة في حاويات مليئة بالثلاجات وصناديق الصابون اللبناني. الحاوية الأول جاءت من  ميناء اللاذقية، والثانية خرجت من اللاذقية وتوقفت في تركيا قبل أن تكمل مسيرها صوب الميناء الروماني.

بناء على طلب مساعدة قضائية من السلطات الرومانية بخصوص الشحنات، قامت الشرطة الألمانية بالتحقيق مع اثنين من السوريين – يُعرفان باسم محمد وإياد – واحد منهم يعيش في ألمانيا والآخر أُلقي القبض عليه بعد زيارة أهله المقيمين في ألمانيا، ومن خلال مراقبة الهاتف والميكروفونات المخفية، ألقت الشرطة القبض على الاثنين في النهاية.

وأظهرت وثائق من محاكمتهما، التي عقدت في ألمانيا العام الماضي، أن إياد كان يتاجر في المواد التي يصنع منها الكبتاغون. وفي إحدى المرات، قام بشراء نحو 30 ألف كيلوغرام من دواء الربو المعروف بالثيوفيلين من الهند والصين، كانت كافية لتصنيع 534 حبة كبتاغون بقيمة 534 مليون دولار. وهذا كان كافياً لصنع حبوب الكبتاغون التي تم ضبطها في العملية الأمنية في رومانيا.

وقال القاضي في مقابلة مع BBC، إن إياد قدم شرحاً مستفيضاً لتورط الفرقة الرابعة في الصفقة. ولفت الى أن الفرقة الرابعة تراقب حركة الحاويات الداخلة والخارجة من ميناء اللاذقية، وطلبت 250 ألف دولار لكل حاوية من البضائع غير القانونية، و60 ألف دولار أخرى للعمال الذين يعملون داخل الميناء. ويتولون عملية النقل.

في غضون ذلك، قام محمد بتنظيم عملية الشحن، إذ أظهرت بوليصة الشحن أنها كانت متجهة إلى المملكة العربية السعودية قبل أن يتم ضبطها في رومانيا. وأفاد المدعي العام بأن المعاملات المالية المتعلقة بالصفقة تمت نقداً عبر تحويلات “الحوالة”، من دون ترك أي أثر ورقي. هذا تقييم سمعناه أيضاً من كبار المسؤولين الأمنيين في سوريا ولبنان. 

ومن دون الخوض في التفاصيل، قال محمد للمحققين إنه كان شريكاً تجارياً لحافظ منذر الأسد، وهو ابن عم بعيد للرئيس. كما عمل مع مضر شوكت، أحد عمومة مضر هو عم الراحل آصف شوكت، الذي كان متزوجاً من شقيقة الرئيس الأسد وشغل منصب نائب وزير الدفاع.

في مكالمات هاتفية تم التنصت عليها، أكد محمد أنه أصبح ثرياً جداً ومحمياً بفضل هذه العلاقات، ويمتلك شقة في حي فاخر في  دمشق، والكثير من السيارات.

وأشار في أحد تلك المكالمات: “يعلم الجميع أنني كنت شريكاً لعائلة الأسد. كل من يغادر أو يصل إلى طرطوس أو ميناء اللاذقية أو إلى منطقة التجارة الحرة، يعرف أنني كنت شريكاً لمنذ الأسد. كنت رئيساً لـ 30 شخصاً”.

وتابع: “لا تزال لدي علاقة مع عائلة الأسد حتى اليوم. منذر الأسد وابنه حافظ ما زالا أصدقائي”. وذكر أنه قبل مغادرته سوريا، قدم 7 ملايين دولار إلى عائلة الأسد.

من جهته، رفض منذر حافظ الأسد ما نقله المحقق الألماني عن مكالمة المتهم محمد، وقال لـ BBC: “لو في 1 في المئة من هالشيء يللي باعتيلي ياه بالكتاب كنت رديت عليكم من تيام”.

من المعروف أن أفراد عائلة الأسد يسيطرون على العمليات في ميناء اللاذقية، كما وثقت OCCRP في تحقيق سابق نشر في العام  2021.

وقد فُرضت عقوبات على وسيم الأسد، أحد أبناء عم الرئيس، بالتزامن مع فرض عقوبات على دقو أيضاً من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، نظراً الى الدور الذي قيل إنهم يلعبوه في تجارة المخدرات في سوريا وفي العام الماضي، أقرت الولايات المتحدة قانون “كبتاجون” الذي وصف التجارة بأنها “تهديد أمني عابر للحدود” وربطها بنظام الأسد. وقال وسيم الاسد ل BBC ” انا انفي هذه الاتهامات الظالمة واعترض على العقوبات التي لا تحتمل اي دليل.”

سوريا تعد بالتعاون

في 1 أيار، قبل أيام قليلة من مقتل مروّج المخدرات مرعي الرمثان في الغارة الجوية، التقى وزير الخارجية السوري بنظرائه العرب في عمان. وخلال الاجتماع، وافق على المساعدة في وقف تهريب المخدرات والعمل على تحديد منتجي الكبتاغون ومهربيه.

جاء الاجتماع بعد عامين حصل خلالهما اجتماع مسؤولين أردنيين مع مسؤولين أمنيين سوريين، قدموا لهم أدلة على أن المهربين يتلقون المساعدة من حرس الحدود.

عندما فشل هذا النهج، بدأت الأردن بدلاً من ذلك بالعمل على إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، التي تم إيقاف عضويتها لمدة 12 عاماً. وفي النهاية، عادت سوريا إلى الجامعة، وتوجه الأسد الى حضور اجتماع في جدة، المملكة العربية السعودية في السابع من أيار.

ولكن رايبورن، المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، قال إن محاولة العمل مع نظام الأسد للحد من تدفق الكبتاغون، كانت مثل “محاولة التعاقد مع مشعل الحرائق لإخماد الحريق”.

ونظراً الى الوضع الاقتصادي الهش لنظام الأسد، كان رايبورن  متشككاً أيضاً في استعداد النظام السوري للتخلي عن التجارة الرابحة التي ثبت أنها مربحة: “إذا توقفت إيرادات الكبتاغون أو تعرضت لاضطراب كبير، فلا أعتقد أن نظام الأسد سيتمكن من البقاء بعدها”، وفقاً لتصريحه.

ووافقه الرأي جندي سوري، عمل في كثير من الأحيان مع الفرقة الرابعة، قبل أن ينشق مغادراً إلى أوروبا في عام 2013. إذ قال: “إذا أوقف بشار تجارة المخدرات لأكثر من 20 يوماً، فإن اقتصاده سينهار”.

حصيلة تجارة الكبتاغون

في مركز لعلاج الإدمان تديره الشرطة خارج عمان، تظهر الخسائر البشرية الناجمة عن تجارة الكبتاغون بشكل واضح. سعة المركز البالغة 180 سريراً مشغولة تقريباً على مدار السنة.

في إحدى الغرف، روى أحد المرضى البالغ من العمر 22 عاماً، والذي طلب أن يُعرّف بـ “ياسر”، وهو يرتدي زياً رياضياً رمادي اللون، كيف انقلبت حياته رأساً على عقب بعدما بدأ باستخدام الكبتاغون قبل ثلاث سنوات للبقاء مستيقظاً خلال عمله كبائع خضار في سوق الفواكه الرئيسي في عمان. وفي وقت لاحق، بدأ أيضاً باستخدام مخدر “الشبوة” أيضاً.

وقال ياسر: “تفقد ذاتك. تنتهي من العمل ولا يوجد شيء يغذي جسدك، فتشعر بالإرهاق”.

بعدما وصل وزنه إلى أدنى مستوى عند 53 كيلوغراماً، استعاد ياسر وزنه مرة أخرى. ويأمل بأن يتمكن قريباً من لمّ شمله مع زوجته وابنه، اللذين انفصلا عنه خلال فترة إدمانه. وأضاف: “سأذهب إليهم كنفس الشخص الذي يعرفونه، مدركاً وواعياً لكل شيء”.

درج

——————–

ملامح الاستراتيجية الأميركية في مكافحة تهريب الكبتاغون في الشرق الأوسط/ كارولين روز

ترتكز الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الكبتاغون على: المساعدة الدبلوماسية والاستخباراتية، والعقوبات والأدوات المالية، وتعزيز قدرة الشركاء على الحظر

أصدرت وزارة الخارجية الأميركية الأسبوع الماضي استراتيجية مكتوبة تهدف إلى عرقلة وتفكيك عملية إنتاج المخدرات والإتجار بها والشبكات المرتبطة بنظام بشار الأسد في سوريا. ووُضعت هذه الاستراتيجية وفقا لتعديل صدر في ديسمبر/كانون الأول الماضي ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2023، والذي نص على ضرورة وضع الولايات المتحدة استراتيجية مشتركة بين الوكالات تستهدف رعاية نظام الأسد في سوريا لتجارة المخدرات غير المشروعة (الكبتاغون) والحد من أرباحه ونفوذه، وعرض هذه الاستراتيجية على الكونغرس الأميركي بعد 180 يوما.

وكشفت هذه الاستراتيجية المكتوبة لأول مرة عن الجهود الأميركية المشتركة بين الوكالات لمكافحة تجارة الكبتاغون، والتي ترتكز على أربعة محاور: المساعدة الدبلوماسية والاستخباراتية، والعقوبات والأدوات المالية، وتعزيز قدرة الشركاء على الحظر، والمساءلة من خلال المحافل الدبلوماسية.

وتعتبر هذه الاستراتيجية استجابة شاملة تعترف بتزايد تجارة الكبتاغون وتستهدف شبكات الإنتاج والإتجار داخل سوريا وخارجها، وتتضمن في جزء منها، أدوات إنفاذ القانون وخفض الطلب على المخدرات، بالإضافة إلى استخدام الأدوات الجنائية الحالية لمحاربة هذه الظاهرة.

وأكدت الاستراتيجية المكتوبة أهمية تعزيز القدرات وتأمين الحدود بين الشركاء الإقليميين من خلال تطبيق برامج الدفاع في المنطقة كمفتاح للنجاح في كبح تجارة الكبتاغون ومنع مشاركة الجهات المعادية للولايات المتحدة مثل النظام السوري والجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران.

إلا أن الرسائل الأوسع حول استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة تجارة الكبتاغون أكدت بشدة أن هذا الجهد يتجاوز نطاق عمل الجيش الأميركي، لكنه يتماشى إلى حد كبير مع الوكالات الأميركية الأخرى. ويثير هذا التباين تساؤلات حول شكل وتطور جهود وزارة الدفاع الأميركية في المنطقة مع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز استراتيجيتها لمكافحة الكبتاغون.

صدامات القوات الأميركية مع تجارة الكبتاغون في سوريا

ارتبطت جهود فرقة المهام المشتركة بقيادة الولايات المتحدة- عملية العزم الصلب في العراق وسوريا، بشكل صارم، بالعمل على القضاء على تنظيم “داعش” من خلال تحجيم هيكل قيادة التنظيم، وإيقاف تمويله، ومواجهة عملياته الإرهابية وشبكته العالمية. ولكون إيقاف مصادر تمويل “داعش” كان جزءا أساسيا من مهمة عملية العزم الصلب، شارك العسكريون الأميركيون وشركاء التحالف في حوادث متفرقة في مصادرة مخدرات مثل الكبتاغون في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم الإرهابي.

وكانت العملية التي حدثت في مايو/أيار 2018 من أوائل الصدامات بين قوات عملية “العزم الصلب” وتجار الكبتاغون، حين استولى أحد شركاء التحالف، فصيل “مغاوير الثورة”، على 300 ألف حبة كبتاغون تقدر قيمتها بأكثر من 1.4 مليون دولار، يُعتقد أنها كانت في حوزة مقاتلي داعش.

 وأفاد بيان صادر عن وزارة الدفاع بأن قوات التحالف دمرت ذلك المخزون من المخدرات. وفي العام التالي، أي في عام 2019، أفادت القيادة المركزية الأميركية بأن موقعا قتاليا تابعا لفصيل “مغاوير الثورة” اعترض مرة أخرى أكثر من 850 ألف حبة كبتاغون، تقدر قيمتها بنحو 3.5 مليون دولار، كانت تُنقل على متن شاحنة متجهة نحو مخيم الركبان في 23 أكتوبر/تشرين الأول.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عرضت قوات عملية “العزم الصعب” مرة أخرى مضبوطات الكبتاغون التي حصل عليها شركاؤها في التحالف عندما ساعدت في الإشراف على حرق 60 ألف حبة كبتاغون مجهولة المنشأ ومهربة إلى منطقة منع الاشتباك، والتي يبلغ طولها 55 كيلومترا، بعد أن اعترضها الجيش السوري الحر. هذه المرة، أعادت صفحة “تويتر” الخاصة بـ فرقة المهام المشتركة- عملية العزم الصلب نشر مقطع فيديو للجيش السوري الحر، ويظهر فيه شركاء التحالف وأفراد الجيش الأميركي وهم يرمون الحبوب المصادرة في حفرة نار من أكياس بلاستيكية تحمل شعار ليكزوس، وهي طريقة تغليف نموذجية غالبا ما يستخدمها المهربون الذين يعملون خارج الأراضي التي يسيطر عليها النظام في سوريا.

لم تكن فرقة المهام المشتركة- عملية العزم الصلب الطرف الوحيد الذي يسعى إلى تعزيز قدرات الشركاء الإقليميين على حظر تجارة الكبتاغون وتسليط الضوء على تدابير مكافحتها. إذ اعتبرت فرقة العمل المشتركة للعمليات الخاصة الأميركية- الشرق أيضا عمليات ضبط المخدرات التي قام بها شركاؤها ميزة رئيسة لدورها في تقديم المشورة والمساعدة. ومنذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وسعت فرقة العمل المشتركة للعمليات الخاصة الأميركية- الشرق من تفويضها لمكافحة الإرهاب ضد “داعش”، ووسعت سلطتها وتركيزها لتعزيز القدرات العملياتية لقوات التحالف والشركاء وتوسيع المشاركة مع القوات المسلحة المصرية واللبنانية والأردنية والتعاون في المصالح المشتركة والتحديات الأمنية.

ومع وجود عناصر الكوماندوز المتناوبة ومجموعة المهام الموسعة التي تقدّر استقرار قوة الشريك، أصبحت جهود مكافحة المخدرات- ولا سيما مصادرة الكبتاغون وحظر تجارته– مصلحة إقليمية أساسية لفرقة العمل المشتركة للعمليات الخاصة الأميركية– الشرق. ومنذ عام 2020، أعلنت فرقة العمل المشتركة للعمليات الخاصة الأميركية– الشرق عن مصادرة الكبتاغون والاعتقالات والمداهمات المختبرية التي نفذها فصيل “مغاوير الثورة” في سوريا، والجيش اللبناني في سهل البقاع، والجيش السوري الحر في سوريا، والجيش الأردني على طول حدوده مع سوريا، وقوات الأسايش في شمال شرقي سوريا. وأشارت البيانات الخاصة بضبط حبوب الكبتاغون من قبل قوات الأسايش في أبريل/نيسان الماضي إلى أن تعزيز قدرة الحظر كان جزءا من الجهود المبذولة لتأمين المنطقة والسكان المدنيين بشكل فعال من التهديدات والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.

وقد كُرر هذا الربط بين مكافحة المخدرات والاستقرار الإقليمي من قبل القيادة العسكرية الأميركية العليا في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. ففي 21 يونيو/حزيران الماضي، شارك  الجنرال أليكسوس غرينكويتش، أحد كبار العسكريين الأميركيين في القيادة المركزية الأميركية جنوب غربي آسيا، وقائد القوة الجوية التاسعة وقائد المكون الجوي للقوات المشتركة، في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت لمناقشة نظرة القوات الجوية المركزية إلى التهديدات الناشئة المتعلقة بالمهمة ضد تنظيم داعش والجهود المبذولة من أجل تحقيق الأمن الإقليمي. وكشف أحد الأسئلة عن قلق ناشئ- وبُعد محتمل– لمهمة الولايات المتحدة في تقديم المشورة والمساعدة في المنطقة. ففي إجابته على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن ضربات جوية على مواقع إنتاج المخدرات التي تستخدمها الجهات المؤذية في المنطقة، مثل النظام السوري والجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران، تحدث غرينكويتش  بإسهاب عن أن البعثة الأميركية ترى في هذه التجارة الناشئة وغير المشروعة تهديدا للاستقرار.

وأشار غرينكويتش  إلى أن تدفق الكبتاغون غير المشروع من سوريا يمثل تحديا “يجب على الجميع التركيز عليه”. وحث على تضافر الجهود بين الولايات المتحدة والدول الشريكة في مجال أمن الحدود واتخاذ التدابير الدفاعية ضد التجارة غير المشروعة.

وبينما أكد غرينكويتش أن جهود مكافحة الكبتاغون ليست مهمة عسكرية بطبيعتها، وأن الوكالات الأميركية الأخرى تعمل في المقام الأول للمساعدة في وقف تدفق المخدرات، أشارت تصريحاته إلى فهم متزايد وتقدير داخل القيادة المركزية الأميركية للدور الذي يمكن أن تلعبه جهود مكافحة المخدرات كسمة لدور الولايات المتحدة في تقديم المشورة والمساعدة.

التقدم إلى الأمام

وبينما تواصل الولايات المتحدة العمل على الاستراتيجية التي قدمتها، ومع استمرار تجارة الكبتاغون في إيجاد طرق مرور جديدة في الأردن وتركيا والعراق وخارج الشرق الأوسط، يواجه العسكريون الأميركيون المنتشرون في جميع أنحاء المنطقة صدامات مع تجارة المخدرات وشبكاتها الإجرامية بشكل أكثر تواترا.

وستستمر وكالات تطبيق القوانين الأميركية في لعب الدور الأبرز في استراتيجية مكافحة الكبتاغون التي قدمتها الولايات المتحدة، من خلال إدارة تبادل المعلومات واستراتيجيات خفض العرض والطلب مع البلدان الشريكة، ووضع الحلول المبتكرة لعرقلة تجارة الكبتاغون ومشاركة الجهات الفاعلة المؤذية مثل النظام السوري والجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران.

ومع ذلك، فإن قرب القوات الأميركية من نقاط تهريب المخدرات عبر الحدود في البلدان الشريكة يخلق حاجة ملحة لوزارة الدفاع والقيادة المركزية الأميركية لتحديد الأثر الذي تتركه مكافحة المخدرات- إن وجد- على دور الولايات المتحدة المستمر في تقديم المشورة والمساعدة وتمكين الأنشطة في المنطقة.

المجلة

———————–

هل تتراخى إدارة بايدن في تنفيذ قانون “مكافحة كبتاغون الأسد”؟/ إياد الجعفري

حتى ساعة كتابة هذه السطور، لم ترشح أي معلومات عن تقديم الخطة المُنتظرة لتنفيذ قانون “مكافحة كبتاغون الأسد”، إلى المعنيين في الكونغرس الأميركي. نظرياً، دخل القانون حيز التنفيذ منذ أيام، بعد مرور 180 يوماً على توقيعه وإصداره رسمياً من جانب الرئيس الأميركي، جو بايدن، في 23 كانون الأول/ديسمبر الفائت. لكن عملياً، تزداد المخاوف لدى شريحة أكبر من المراقبين، أن تكون الإدارة الأميركية بصدد التراخي في تطبيق القانون، خدمةً لغرضين: عدم التأثير سلباً على مفاوضاتها مع نظام الأسد لإطلاق سراح معتقلين أميركيين في سوريا، وترك فرصة لاختبار النتائج المحتملة لخطوات التطبيع العربي مع النظام.

لا تملك الإدارة الأميركية خيار عدم تنفيذ القانون. إذ تم إقراره من الكونغرس، بمجلسيه. لكن الإدارة تستطيع التراخي في تنفيذه، خاصة أن عملية التنفيذ تلك تتطلب تعاون عدد كبير من المؤسسات، بدءاً بوزارة الدفاع والخارجية والخزانة، مروراً بمديريات مكافحة المخدرات والاستخبارات والبيت الأبيض، وانتهاءً برؤوساء الوكالات الفيدرالية ذات الصلة. ناهيك عن أن الخطوط العريضة لخطة التنفيذ، وفق منطوق القرار، تتطلب أيضاً تعاوناً مع أطراف إقليمية معنية بهذا الملف. والنقطة الأخيرة، قد تكون الهدف الرئيس للقانون أساساً، وهو تعزيز التزام الولايات المتحدة حيال حلفائها في المنطقة، في مواجهة المسعى الدبلوماسي الصيني والروسي، لاستمالة هؤلاء الحلفاء.

وتتطلب الحيثية الأخيرة، وقفة مطوّلة. فالإدارة الأميركية لا تملك رفاهية الضغط على حلفائها في الشرق الأوسط، الذين يبدون ميلاً متزايداً لاختبار فرص التقارب مع خصوم أميركا الدوليين. وتتصدر السعودية هذا الميل. تتلوها الإمارات. وهما من أبرز حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة. لذا، تزداد المؤشرات على أن إدارة بايدن تفضّل التركيز على المشاغل المشتركة مع هؤلاء الحلفاء، بدلاً من استخدام أدوات الضغط عليهم، خشية ذهابهم أبعد باتجاه الصين وروسيا. وهو ما يفسّر ما قالت مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطية” الأميركية، بأنها جهود من جانب الإدارة لمنع قانون مكافحة التطبيع مع النظام السوري، من الوصول إلى مجلسي النواب والشيوخ. ذاك أن القانون الذي تدعمه شريحة كبيرة من المشرعين الأميركيين، يفترض ممارسة ضغوط من جانب الإدارة الأميركية على حلفائها في المنطقة، لمنع مسار التطبيع الذي يتبعه هؤلاء الحلفاء، مع الأسد. ورغم الإدانة العلنية لهذا المسار، الذي أبدته الإدارة الأميركية مراراً، في الآونة الأخيرة، إلا أنها أبدت في الوقت نفسه، تراخياً في ردعه، ورشح عن بعض مسؤوليها تصريحات تفيد بتأييدها له، طالما أنه يؤدي إلى تنازلات من جانب النظام السوري.

أحد التنازلات التي تراهن الإدارة الأميركية على تحقيقها، هو استعادة المعتقلين الأميركيين في سوريا، أو بعضهم على الأقل، وأبرزهم أوستن تايس، المفقود منذ العام 2012، والذي تحولت والدته النشطة في عرض قضيته، إلى إحدى المؤثرات في الرأي العام الأميركي، بهذا الصدد. لذا تراهن إدارة بايدن على تحقيق اختراق في قضيته، قبل نهاية ولاية الرئيس الحالي، بصورة تخدم مساعيه للفوز بولاية أخرى. وبهذا الهدف، فتحت الإدارة قناة تفاوض مع النظام، عبر عُمان. وهذه ليست المرة الأولى التي تتواصل فيها واشنطن مع نظام الأسد، بهذا الغرض. إذ سبق أن ذهبت إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، إلى أبعد من ذلك، وتواصلت بشكل مباشر مع مسؤولين في مخابرات النظام. لكنها لم تحصد أية نتيجة. إذ واصل النظام إنكاره لوجود تايس، في حوزته. لكن، هذه المرة، تبدو المفاوضات أكثر جدية، إذ قام رأس النظام بزيارة مفاجئة إلى عُمان، في شهر شباط/ فبراير. ومن المرجح أن هدف الزيارة كان يتركز على افتتاح قناة للتفاوض مع الأميركيين. ويطلب النظام تنازلات كبيرة من واشنطن، لقاء تحقيق تقدم في قضية المعتقلين الأميركيين في حوزته. من أبرزها، رفع العقوبات الأميركية عنه.

ولا تملك الإدارة الأميركية القدرة على الذهاب بعيداً بهذا الاتجاه، مع وجود معارضة كبيرة داخل السلطة التشريعية، لأي تطبيع مع النظام. لكنها تملك القدرة على التراخي في تنفيذ العقوبات حياله. وهي تهمة لطالما رددها مراقبون أميركيون، بخصوص تطبيق قانون “قيصر”، في عهد إدارة بايدن.

 وما بين المصالح الانتخابية الضيقة للإدارة الأميركية، والمصالح التحالفية الأعرض مع دول حليفة في المنطقة، كالسعودية والإمارات، وأيضاً الأردن ومصر، التي تريد اختبار مقاربة جديدة حيال الأزمة في سوريا، تتجه إدارة بايدن نحو مسارٍ معاكس، لذاك المسار التصعيدي الذي ترغب به نخبة تشريعية في الكونغرس. فتلك الأخيرة، تدفع أكثر وأكثر نحو تعقيد أي انفتاح على النظام السوري، بدفعٍ من لوبي نشط من المناوئين لنظام الأسد، من السوريين الأميركيين.

وفيما تغيب أية معلومات عن الخطة المنتظرة لتطبيق قانون مكافحة كبتاغون الأسد، تتواصل الحملة الإعلامية الغربية للكشف عن مدى ارتباط النظام السوري بتجارة المخدرات بالمنطقة. وهي إحدى البنود الأولية لخطة تنفيذ القانون، وفق منطوقه، حين صدوره، قبل ستة أشهر. آخر منتوجات تلك الحملة، تحقيق مشترك أجرته بي بي سي عربي، بالتعاون مع شبكة الصحافة الاستقصائية OCCRP. وقد قدّم التحقيق أدلة جديدة تؤكد ما سبق أن خلصت إليه تحقيقات إعلامية غربية سابقة، بتورط مسؤولين كبار داخل الفرقة الرابعة، التي يقودها ماهر الأسد، شقيق رأس النظام، في إنتاج وتجارة الكبتاغون في سوريا. وهو ما يزيد الضغط على إدارة بايدن، التي من المرجح أن تواصل مقاومة ضغوط النخبة التشريعية الأميركية، في المدى الزمني المتوسط، عبر إجراءات متراخية للقوانين الأميركية التي تستهدف النظام السوري، بصورة تخدم مساعيها لاختبار فرص التواصل معه.

تلفزيون سوريا

—————————–

هل يملك الأسد مفتاح تفكيك الكبتاغون؟/ كارولين روز

تقديرات بنمو التجارة غير المشروعة إلى 10 مليارات دولار أميركي

لقد اجتاحت التجارة غير المشروعة في الكبتاغون- وهو منشط من نوع الأمفيتامين- الشرق الأوسط في السنوات الخمس الماضية. في حين انتشر الطلب على المخدرات في الخليج العربي، حيث بنى المنتجون في سوريا تحت سلطة نظام دمشق، وعلى طول الحدود اللبنانية السورية، قدرات وشبكات متطورة لإنتاج الكبتاغون والإتجار فيه على نطاق صناعي. وتشير التقديرات إلى أن التجارة غير المشروعة نمت من 3.47 مليار دولار أميركي عام 2020 إلى نحو 10 مليارات دولار أميركي عام 2022، وهي مصدر دخل بديل رئيس للجهات الفاعلة وراء التجارة.

كما ازدهرت تجارة الكبتاغون لتصبح بندا رئيسا في جدول الأعمال لمناقشات التطبيع مع النظام السوري، الذي يُعتبر جهة فاعلة محورية مع وكالة واسعة النطاق على الإنتاج والاتجار. وفي الأسابيع القليلة الماضية، أبرمت الحكومات الإقليمية سلسلة من الاتفاقيات التي تقترح تعاونا مباشرا في مكافحة المخدرات وتدابير أمنية على الحدود مع دمشق، كل ذلك بينما لا تحبذ الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي التعاون المباشر، وفرضت عقوبات على المتاجرين السوريين واللبنانيين الرئيسين في الكبتاغون.

ومع ذلك، لا يُعرف الكثير عن تاريخ تجارة الكبتاغون ولا عن دورها في بلاد الشام، وتأثيرها على الجغرافيا السياسية الإقليمية.

من أوروبا إلى الشرق الأوسط

منذ عقود، كان الكبتاغون أول مخدر مشروع متوفر في سوق الأدوية. وتم إعداد المخدر من قبل شركة أدوية ألمانية، شركة “ديغوسا فارما غروب”، لعلاج اضطرابات نقص الانتباه، وفرط النشاط، وعجز الإرادة، وإصابات الدماغ واضطرابات النوم، على الرغم من وجود تقارير عن سعي البعض لاستخدام الكبتاغون كعلاج فقدان الوزن من بين أسباب أخرى.

كانت تركيبة الكبتاغون عبارة عن فينيثايلين، وتحتوي على أقل من 15 في المئة من الثيوفيلين و25 في المئة من الأمفيتامين في جرعة فموية. ومع ذلك، فإن العواقب الصحية للكبتاغون والبدائل الأحدث والأكثر أمانا في السوق المشروعة دفعت إلى التخلص التدريجي من المخدر. وفي عام 1981، أُدرج المخدر كمادة خاضعة للرقابة، ثم في عام 1986 وضع ضمن جدول المواد المحظورة من قبل منظمة الصحة العالمية بموجب اتفاقية المؤثرات العقلية لسنة 1971 للأمم المتحدة. ومع ذلك، بينما بدأت الدول في التخلص التدريجي من مخزوناتها من الفينيثايلين طوال الثمانينيات وأوائل التسعينيات، نشأت ظاهرة جديدة عندما بدأ المخدر في التحول إلى السوق السوداء.

وفي حين أن الكبتاغون لم يعد متاحا دون وصفة طبية، فإن الجهات الفاعلة ما زالت تسعى إلى إنتاج المخدر، لا سيما في البلقان، حيث جهزت مصانع الحقبة السوفياتية لتصنيع الكبتاغون بكميات كبيرة. وعلى مدى أعوام ظل أول مركز لإنتاج المخدر كمواد غير مشروعة في البلقان، ولا سيما بلغاريا، حيث سهلت جماعات الجريمة المنظمة العمليات وحددت الأسواق الرئيسة للاستهلاك في الشرق الأوسط. في هذا الوقت تقريبا، بدأت تركيبة الكبتاغون في التغيير والتنويع، مبتعدة عن تركيبة الفينيثايلين الأصلية. وبدأت أقراص الكبتاغون في دمج تركيبة من الأمفيتامين وعوامل التقطيع الأخرى، مثل الكينين، والباراسيتامول، والكافيين، والزنك، والنحاس، والإيفيدرين، والبروكائين، وتريميثوبريم، والكلوروكين ومواد أخرى. ولذلك فإنه عند الإشارة إلى التركيبة الأصلية “القديمة” للمخدر، يستخدم الباحثون والخبراء حرف “C” كبيرا لـ”الكبتاغون”، وعند الإشارة إلى المكونات الكيميائية الأحدث المخترقة التي تباعدت عن تركيبة الفينيثايلين، فإنهم يستخدمون حرف “c” صغيرا.

الآثار الصحية

تسببت الآثار الصحية لتركيبة الكبتاغون الجديدة المخترقة في القلق بين قطاعات الصحة العامة. وفي حين أن التحليل المختبري المتسق لأقراص الكبتاغون أمر نادر، إلا أن هناك أدلة محدودة على أن نقص المكونات الأولية اللازمة لإنتاج التركيبة الأصلية للمواد المخدرة قد حفز الجهات الفاعلة على استخدام بدائل يُحتمل أن تكون خطرة مع مستويات سامة من النيكل، والزنك، والمواد الأخرى، التي يمكن أن تؤدي إلى مضاعفات القلب والأوعية الدموية، والرئة ومضاعفات صحية أخرى على المدى الطويل.

وخلال أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان إنتاج الكبتاغون موجودا على نطاق صغير. وكانت المختبرات في الأساس مؤقتة ومتحركة للغاية، حيث يستخدم المنتجون المساكن، أو البيوت الزراعية أو حتى الأقبية لتصنيع المخدر. وعندما كان خطر الاعتراض عاليا، كان المنتجون ينقلون مواقع الإنتاج في كثير من الأحيان لتفادي تطبيق القانون، وذلك باستخدام الشبكات العائلية، والقبلية والأمنية لتحديد المناطق المؤقتة للإنتاج.

كان هذا هو الحال بشكل خاص على طول الحدود اللبنانية والسورية، حيث تعاون كثير من منتجي الكبتاغون الصغار مع الجماعات المسلحة المحلية مثل “حزب الله” لتسهيل الإنتاج المختبري، والحركة المؤقتة على طول الحدود اللبنانية السورية، واستخدام طرق التهريب الراسخة المستخدمة في عمليات تهريب وقود الديزل، والحشيش، والأسلحة الصغيرة، وغيرها من السلع غير المشروعة في السوق السوداء والرمادية في المنطقة.

الكبتاغون في زمن الحرب

على النقيض من الجهات الفاعلة غير الحكومية، وقادة الحرب والمنظمات المتطرفة التي هيمنت في البداية على اقتصادات المخدرات في بلاد الشام، فإن مشاركة الحكومة السورية و”حزب اللّه” المكثفة في إنتاج الكبتاغون والحشيش قد أدخلت نطاقا جديدا من قدرات التهريب، باستخدام مرافق إنتاج واسعة النطاق، وعمليات التعبئة على نطاق واسع والموانئ المملوكة للدولة والسفن التي ترفع علم الدولة لنقل الشحنات.

وكشفت الأدلة الأخيرة أن الحكومة السورية قد شاركت بشكل كبير في إنتاج الكبتاغون على نطاق واسع، وذلك باستخدام مرافق تصنيع الأدوية واسعة النطاق وقوات الفرقة الرابعة المدرعة التابعة للنظام لنقل الكبتاغون من سوريا إلى طرق الإتجار.

لقد نسجت مشاركة أعضاء رئيسين في مجتمع الأعمال السوري- أفراد مثل خضر طاهر وكيانات تجارية مثل نبتون أوفرسيز ليمتد- بالإضافة إلى مسؤولين من الفرقة الرابعة المدرعة وحتى الأقارب المباشرين لبشار الأسد- سامر الأسد، ووسيم بديع الأسد، وماهر الأسد- نسجوا شبكة محكمة من شبكات الإنتاج والإتجار حول الرئيس السوري، حسب اعتقاد مسؤولين غربيين.

وفي جنوب سوريا، لعب مقربون من النظام دورا في زيادة إنشاء مواقع إنتاج الكبتاغون صغيرة الحجم في المناطق الرئيسة المتنازع عليها مثل درعا والسويداء، المتمركزة على طول نقاط رئيسة عبر الحدود للتهريب إلى الأردن ثم إلى أسواق الوجهة في الخليج. من خلال وضع مختبرات الكبتاغون في المناطق الجنوبية، حيث يسعى النظام إلى تعزيز مزيد من السيطرة الإقليمية والسياسية، تمكنت أجهزة المخابرات والأمن التابعة للنظام من ترسيخ وجود مادي أكبر ووكالة في المشهد الأمني المحلي.

وفي لبنان، على طول الحدود اللبنانية- السورية، وفي جنوب سوريا، انخرط “حزب الله” في تجارة الكبتاغون، وكان يخدم في المقام الأول دورا داعما للكبتاغون. قدم “حزب الله” الحماية لمراكز تصنيع الكبتاغون الأصغر حجما، ومستودعات التخزين وشبكات الاتجار التي تعمل في سهل البقاع وعلى طول سلسلة جبال القلمون، بينما أرسل مقاتليه لمساعدة الفرقة الرابعة وقوات المخابرات العسكرية السورية جنوبي سوريا في عمليات التهريب، وحراسة مواقع الإنتاج، وتسهيل حركة المختبرات المتنقلة عبر الحدود اللبنانية السورية، عندما يكون هناك خطر كبير للاعتراض أو الاعتقال.

كما سهّل “حزب الله” وحلفاؤه في مجال الأعمال والسياسة اللبنانية استخدام الموانئ البحرية، والمطارات ونقاط التفتيش الحدودية اللبنانية الرسمية وغير الرسمية لإرسال شحنات كبتاغون واسعة النطاق. لقد كان أفراد مثل حسن محمد دقو، ونوح زعيتر، متورطين بشدة في عمليات الإتجار في الكبتاغون، وبعضها ذو نطاق صناعي حافل مثل شحنة مارس/آذار 2022 من 94.5 مليون حبة إلى ميناء كلاغ في ماليزيا.

وقد انخرطت هذه الجهات الفاعلة نفسها أيضا في علاقات وطيدة مع النظام السوري، لا سيما التحالفات مع الفرقة الرابعة المدرعة السورية، حسب بيانات رسمية غربية.

لقد أصبحت تجارة الكبتاغون سمة شبه دائمة للأنشطة غير المشروعة للدولة في لبنان وسوريا، خاصة وأن عناصر من الحكومتين قد تعاونت للبحث عن تدفقات مالية بديلة وسط عدم الاستقرار الداخلي، والعزلة الاقتصادية الإقليمية والعقوبات الدولية. وبدأت تجارة الكبتاغون أيضا في التداخل مع التجارات الإقليمية غير المشروعة مثل الحشيش، والقات، والعملة المزيفة، وتهريب الوقود والأسلحة الصغيرة، لا سيما مع استمرار المنتجين والمهربين في توسيع شبكاتهم في المنطقة بين الجماعات المسلحة وعلى طول طرق التجارة غير المشروعة القائمة.

شبكة عالمية متنامية

مع نمو تجارة الكبتاغون في الشرق الأوسط، سعت الجهات الراعية للتجارة أيضا إلى تحديد طرق عبور جديدة يمكنها تفادي الشك، فضلا عن زرع بذور لأسواق الاستهلاك المحتملة خارج المنطقة.

منذ عام 2018 عندما بدأ الكبتاغون في النمو ليصبح تجارة على نطاق صناعي، كانت هناك حالات أكبر لشحنات الكبتاغون من الموانئ الرسمية وغير الرسمية السورية واللبنانية التي تم إرسالها عبر البحر الأبيض المتوسط إلى الموانئ التجارية الأوروبية والأفريقية.

وكانت غالبية هذه الشحنات متجهة إلى الأسواق الاستهلاكية في الخليج، حيث كان المتاجرون يستخدمون موانئ إقليمية إضافية لتقليل شكوك جهات إنفاذ القانون نظرا إلى أن الشحنات جاءت من مراكز إنتاج الكبتاغون.

وتمكن المشاركون في أسواق المخدرات في لبنان وسوريا من إنشاء شبكات موثوقة مع الجماعات الإجرامية الأوروبية الحالية. على سبيل المثال، كشفت شحنة مخدرات تم اعتراضها في ميناء ساليرنو الإيطالي عن وجود صلات بين مهربي المخدرات السوريين وجماعات المافيا الإيطالية مثل كامورا.

وقد حدد تحقيق مشترك بين أنظمة إنفاذ القانون النمساوية، والهولندية، والبلجيكية، والأميركية، حلقة مخدرات جيدة التنظيم تعمل في سالزبورغ قامت بتهريب عشرة ملايين حبة كبتاغون و100-200 كيلوغرام من الكوكايين بين يوليو/تموز 2017 ومارس/آذار 2021.

وفي ألمانيا، حددت السلطات مستودعات التخزين الرئيسة التي أقامها متاجرو الكبتاغون في بافاريا لإعادة نقل الشحنات إلى أسواق الوجهة. وبينما أقامت شبكات الكبتاغون نقاطا عبر الدول الأوروبية لإرسال الشحنات مرة أخرى إلى أسواق الشرق الأوسط، كانت هناك أيضا موجة ملحوظة من المُصادرات على طول الحدود السورية التركية، حيث أشار مسؤولو إنفاذ القانون الأتراك إلى أن الشحنات كانت متجهة إلى دول أوروبية من خلال طرق التهريب البرية. وقد شكلت زيادة شحنات الكبتاغون والحشيش تحديا خطيرا لأنظمة إنفاذ القانون في الشرق الأوسط وأوروبا، بسبب نقص المعلومات، والتنسيق الإقليمي وتبادل المعلومات الاستخباراتية اللازمة، لرصد وتعقب واعتراض شحنات المخدرات الرئيسة من سوريا ولبنان.

وكانت هناك أيضا زيادة في الإتجار بالكبتاغون داخل الموانئ الأفريقية ونقاط التفتيش الحدودية، حيث يسعى المتاجرون إلى إعادة نقل الشحنات مرة أخرى إلى أسواق الوجهة الخليجية أو إنشاء مراكز استهلاك محلية. على سبيل المثال، في السنوات الثلاث الماضية، سجلت المغرب، ومصر، ونيجيريا، والسودان، وليبيا، مُصادرات للكبتاغون داخل حدودها. ومع ذلك، دون بيانات كبيرة حول معدلات الاستهلاك، من الصعب التأكد مما إذا كانت أفريقيا هي سوق عبور ناشئة أم سوق مقصد محتملة لتجارة الكبتاغون.

دور الكبتاغون في مناقشات التطبيع

بعد دفعة إقليمية كبيرة نحو التطبيع مع سوريا منذ فبراير/شباط 2023، أصبحت تجارة الكبتاغون بندا رفيع المستوى على جدول الأعمال في المفاوضات بين حكومات الشرق الأوسط ونظام الأسد. لقد أصيبت الحكومات الإقليمية بالإحباط من تدفق ملايين حبوب الكبتاغون إلى موانئها ونقاط التفتيش الحدودية، مع قلق بعض الدول مثل الأردن بشكل خاص من الاشتباكات العنيفة- المميتة في بعض الأحيان- مع مهربي الكبتاغون على طول حدودها مع سوريا. مع وجود أدلة كبيرة على الدور المركزي للنظام السوري في عمليات إنتاج الكبتاغون والإتجار فيه، وقامت الحكومات الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والأردن، بإثارة التعاون في مكافحة المخدرات كوسيلة تنسيق رئيسة مع دمشق، اعتقادا منها أن نظام الأسد “يمتلك المفاتيح” لحل مشكلة الكبتاغون في المنطقة، وإذا ما تم تحفيزه، يمكن استخدام وكالته على التجارة لتقليل تدفق المخدرات في المنطقة.

شبكات وتحديات

نظرا إلى أن النظام كان قادرا على جني ملايين الدولارات، والسلطة السياسية والوكالة الأمنية، من خلال وكالته الواسعة بشأن تجارة مخدر الكبتاغون، فسوف يتطلب الأمر الكثير لتشجيع دمشق على تقليص دورها، ناهيك عن وقف تدفق حبوب الكبتاغون بشكل كبير في أسواق العبور والوجهة.

بالإضافة إلى ذلك، من دون آليات إنفاذ صارمة أو قياسات للفعالية بالنسبة للجهات الفاعلة الإقليمية لاستخدامها في الجهود التعاونية لمكافحة الكبتاغون مع سوريا، فمن المحتمل أن ينفذ النظام عمليات مُصادرة شكلية ويقدم معلومات استخباراتية بين الحين والآخر إلى الجيران الإقليميين للمتاجرين الأقل شهرة، مع الحفاظ على دور كبير في الإنتاج والإتجار، مما يسمح للنظام بـ”الحصول على كعكته وأكلها أيضا”.

ومهما كان تأثير التطبيع على تجارة الكبتاغون، فمن الواضح أن هذا الاقتصاد غير المشروع لا يمكن القضاء عليه بسهولة في الشرق الأوسط. ومع وجود شبكات عميقة الجذور وواسعة النطاق لتصنيع المخدر، واللوجستيات، والإتجار والتوزيع بين مراكز الاستهلاك- سواء كانت متوافقة مع الجهات الفاعلة غير الحكومية والجهات الفاعلة الحكومية- ستستمر تجارة الكبتاغون في تشكيل تحدٍ للصحة العامة الإقليمية، والجغرافيا السياسية، والأمن.

المجلة

——————–

فخ الكبتاغون/ مهند الحاج علي

“إبن عمي قوي ويملك نفوذاً في سوريا ولبنان وهو تاجر مخدرات”، هذه كانت شهادة ابن عم المعتقل حسن دقو الذي عُرف لاحقاً باسم “ملك الكبتاغون”. ذاك أن النفوذ في سوريا ولبنان هو معبر ضروري لدى شبكات المخدرات الساعية الى تجاوز الحدود بين الدول، والتعامل مع الشبكات الميليشيوية والعشائرية والمطارات باتجاه الوصول إلى المشتري. وربما لو تتبعنا مسار الـ450 ألف حبة كبتاغون التي ضبطتها السلطات اللبنانية وهي في طريقها للخليج العربي، لوجدنا روابط بين الدولتين، سوريا ولبنان، وشبكة عابرة للحدود بينهما.

ومثال دقو، وبخاصة شبكة علاقاته، نموذج لفهم عمق هذه المشكلة وانتشارها في المشرق اليوم، انتاجاً وتوزيعاً، سيما أننا بدأنا نشهد تطورات متسارعة في هذا الملف، بدءاً من العقوبات الأميركية وانتهاء بالكميات الهائلة التي تُضبط إما في لبنان أو في الدول المستهدفة.

وهذا التطور غير منفصل عن واقعنا العام، رغم نُدرة الحديث عنه في الاعلام. صحيح أن الجمود السياسي وتلاشي حركة الاحتجاج يُوحيان بالاستقرار على مستوى البلاد، حتى بعد رفع الدعم عن كل السلع الأساسية، والدولرة واهتراء مؤسسات الدولة وخدماتها وعلى رأسها الكهرباء. لكن هناك متغيرين بطيئين نسبياً، الى درجة تجعلهما يغيبان عن الإعلام، رغم أنهما قادران على تشكيل واقع الحال في لبنان خلال السنوات المقبلة.

الأول هو انتاج الكبتاغون والإتجار به على مستوى متصاعد في لبنان حيث باتت هناك شبكات ومهربون ونفوذ سياسي (وطنياً وكذلك محلياً). وهذا متغير يتحرك في الفراغ السياسي والأمني الآيل إلى الاتساع بالفترة الأخيرة، ويرتبط أيضاً بتحول سوريا الى دولة أساسية في الإنتاج والتوزيع. في المحليات اللبنانية، يُلاحظ في المعلومات والبيانات المتوافرة والصادرة عن مؤسستي الجيش والأمن الداخلي، أن الجريمة المحلية باتت على ارتباط وثيق بشبكات الكبتاغون. بكلام آخر، أكثر الجرائم الحاصلة على الأراضي اللبنانية ترتبط بهذا المنتج، إما استهلاكاً أو توزيعاً. عمليات المداهمة لإحباط جرائم الخطف الكبرى، تُفضي الى العثور على معدات لانتاج الكبتاغون، أو الى العثور على حبوب بهدف التوزيع. بعض منفذي هذه الجرائم أيضاً من مستهلكي هذه الحبوب، وبات على ارتباط بشبكات التوزيع ويُنفذ أوامرها.

هكذا تنمو الجريمة المنظمة. لها رؤوس محددة في المركز لديها نفوذ سياسي عابر للحدود، وأطراف مترامية وشبكات محلية. حين تنمو القدرات المالية لهذه الشبكات، يتعزز نفوذها السياسي أيضاً. وهذه عملية غير مرئية، ليس بالإمكان توضيح حجمها ومسارها، بل تنمو بشكل سرطاني ونكتشفها حين تُصبح عصية على الحلول السريعة والمتوسطة الأمد. بل أكثر من ذلك، المشكلة مع نمو هذه الشبكات أنها حين تصل الى مرحلة متقدمة، يحتاج استئصالها واحتواء دورها في دولة مثل لبنان، تدخلاً ومساعدة خارجية ليست بعيدة عمّا نحتاجه على المستوى المالي والاقتصادي. وبالفعل، يتنامى اليوم الحديث دولياً واقليمياً عن هذا التهديد وكيفية مواجهته، وهذا يشمل الدول الأوروبية والولايات المتحدة ودولاً عربية ومنظمات كالأمم المتحدة.

المتغير الثاني هو اهتراء الدولة اللبنانية بشكل عام، وتفكك قدراتها تدريجياً. الاستقالات في المراكز الحكومية التقنية والتخصصية، عملية أسبوعية، وفقاً لوزراء حاليين وسابقين. ومن يرحل لا يُستبدل. وفي وزارات أخرى، بات التعاقد مع مؤسسات خاصة لانهاء المشاريع والمهام المطلوبة شبه مستحيل. حتى المؤسسات الأمنية، تخسر كوادر ولا تستبدلها في ظرف حساس ومفصلي.

وهذا متغير أساسي ومستمر منذ سنوات، ويستدعي سؤالاً على ارتباط بقضية شبكات الكبتاغون في لبنان وسوريا. عندما يحين موعد المواجهة مع هذه الشبكات ويُتخذ القرار بها، بأي أدوات ستُواجه الدولة اللبنانية هذه الآفة؟

وبالسياسة، السؤال الأهم هنا هو أي ثمن سندفعه مما تبقى من السيادة اللبنانية في حال بات عجز الدولة في مكان بحيث يستدعي تدخلات عسكرية خارجية على غرار الضربة الجوية الأردنية أو مداهمات الجيش السوري على الحدود اللبنانية وربما أوسع من ذلك، أو حتى استدعاء ميليشيات البلاد وما أكثرها، لملء فراغات.

هناك من يُعد لنا فخاً ليس عابراً للحدود فحسب، بل للأجيال أيضاً.

المدن

—————————————

ماذا في حبة الكابتاغون”أبو هلالين”؟/ رامي رحيّم

إذا أغرتك يوما حبة الكبتاغون وتساءلت عن فعلها في جسدك وذهنك وسلوكك قد تسأل أولا عن المواد التي تحتوي عليها تلك الحبة، المعروفة باسم “أبو هلالين”.

لكن المفارقة هي أن قرص الكابتاغون، مع أنه موجود – بإسمه هذا وعلامته التجارية – منذ أكثر من نصف قرن، يبقى لغزا يصعب حله. وإذا تناولته، فانك على الأرجح تفعل ذلك دون فكرة واضحة عما يدخل إلى جسدك وبأية كميات. وهذا يزيده خطرا على مستهلكيه عموما والمدمنين عليه خصوصا.

فكما أوضح لوران لانييل، المحلل العلمي لدى المركز الأوروبي لرصد المخدرات والإدمان لبي بي سي:

“على حد علمنا وبناء على معلومات جنائية محدودة تم جمعها خلال عقد ونصف، فإن حبوب الكابتاغون هي بشكل أساسي عبارة عن امفيتامين، وهو نفس المادة التي تباع في الشوارع الأوروبية، لكنه في أوروبا يباع على شكل بودرة.”

لكن مع أن الامفيتامين هو نجم قصة الكابتاغون، إلا أنه ليس المادة الكيماوية الوحيدة في تلك القصة.

بداية الكابتاغون

عام 1961، قامت شركة أدوية المانية بتصنيع دواء أسمته كابتاغون، وكانت المادة الفعالة فيه فينيثيلين، وهي بعد تناولها تنقسم في الجسم إلى مادتي الأمفيتامين وثيوفيلين، فتعمل المادتان سوية بشكل أكثر فعالية من الأمفيتامين وحده.

استخدم الكابتاغون لعلاج بعض الحالات كاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وحالة الخدار، لكن الأدلة تراكمت على أنه يسبب الإدمان، وعدد من الآثار الجانبية، كما أسيء استخدامه كمنشط في الرياضة، فتم حظره في الثمانينيات من القرن الماضي.

تسرب بعض المخزون المتبقي من مادة الفينيثيلين إلى عصابات منظمة قامت بالترويج للكابتاغون بعد حظره، لكن المادة أصبحت صعبة المنال، فبدأت العصابات تستخدم موادا أخرى في تصنيع الحبة، مع الحفاظ على الاسم والعلامة التجارية.

وقد أفادت تقارير بأن تحاليل جنائية أجريت بعد عمليات مصادرة للكابتاغون أشارت إلى خلوها من مادة الفينيثيلين. كما تشير معظم التقارير إلى أن مادة الأمفيتامين هي المادة الفعالة الأساسية في معظم الحبوب التي تتم مصادرتها وتحليلها، إنما مع غيرها من المواد.

وقال لانييل: “إضافة إلى الأمفيتامين – وهو المادة الفعالة عادة – هناك مواد أخرى، أكثرها الكافيين. في بعض الأحيان، تجد الميتامفيتامين، وهو قريب من الأمفيتامين، لكن هذا نادر.”

وقال إن الأساس في فهم صناعة الكابتاغون هو في فهم من أين يأتي الامفيتامين، مضيفا أن “التصنيع يتم في الشرق الأوسط، في سوريا ولبنان وربما أماكن أخرى. وكذلك، معروف ان هناك عصابات في هولندا وبلجيكا تعتبر مصنعة كبيرة على نطاق عالمي للامفيتامين، وحتى أن بعض حبوب الكابتاغون التي وصلت إلى الأسواق في دول خليجية على الأرجح تم تصنيعها في أوروبا، لكنها نسبة قليلة مقارنة بالمصادر الأخرى”.

تشير تقارير إلى أن كمية الأفيتامين في القرص تتفاوت كثيرا، وعُثر على قلة من الأقراص التي كانت خالية من الأمفيتامين أو من أي مؤثر عقلي.

مفعول الكابتاغون

المادة الأساسية في معظم أقراص الكابتاغون هي الأمفيتامين، وهي مادة تحفز الجهاز العصبي المركزي، وقد تؤدي الى الإدمان. من بين أثارها أنها تسهم في زيادة التركيز والأداء البدني، وبالسيطرة والثقة بالنفس، وبالرغبة بالتواجد مع الآخرين والإكثار من الحديث، كما تزيد الطاقة وتخفف القابلية على الطعام.

وقال لانييل: “تشعر أنك اقوى وأنك مهما فعلت، ستفعله بشكل أفضل، مع أن هذا ليس بالضرورة صحيحا.”

وأضاف: “الدراسات التي أجراها البريطانيون والأميركيون خلال الحرب العالمية الثانية على طيارين في سلاح الجو أظهرت أنه أحدث شعورا رائعا لديهم، وخفف منسوب الخوف، لكن أدائهم لم يكن بمستوى شخص لم يتناول الأمفيتامين.”

في كل الأحوال وبغض النظر عن خصائص الأمفتياماين، فان الأساس في الكابتاغون أن استهلاكه أصبح خارج السياق الطبي كليا منذ حظره في الثمانينيات، ويتم تناوله دون وصفة طبية ودون معرفة جرعة الأمفيتامين التي يحتوي عليها القرص ولا معرفة أي خليط من المواد الأخرى موجود فيه.

بالتالي، يصعب الحديث عن العوارض الجانبية للكابتاغون بدقة.

مع ذلك، فقد تحدث بعض الأطباء إلى الإعلام وذكروا عددا من العوارض التي شهدوها لدى مستخدمين ومدمنين، وكذلك تحدث بعض المدمنين عن أثار الكابتاغون عليهم.

وبين تلك الآثار: زيادة ضغط الدم ومعدل نبضات القلب، تغييرات وظيفية في الدماغ، ازدياد احتمال السكتة الدماغية، صعوبات في التنفس، آلام في العضلات والمفاصل، الارتباك والغضب والتوتر، الاكتئاب والهلوسات والعدائية وتقلب المزاج.

كل هذه الاحتمالات وغيرها تزيد (أو تقل) حسب الجرعة الموجودة في قرص الكابتاغون، وهي غير معروفة وتتفاوت بشكل كبير بين الحبة والأخرى.

يضاف إلى كل ذلك أن بعض الأقراص تحتوي على الميثامفيتامين، و يعتبر أقوى أخطر من الأمفيتامين.

السوق الأكبر في الخليج

هناك سوق للكابتاغون في كثير من دول المنطقة، ومؤشرات إلى احتمال بروز أسواق جديدة في شمال أفريقيا وجنوب أوروبا. لكن يبدو أن السوق الأبرز حاليا موجود في دول الخليج، وتحديدا في السعودية.

ونقلت وسائل إعلام سعودية عن وزارة الصحة أن هناك 200 ألف مدمن على المخدرات في السعودية، وأن المخدرات الأكثر رواجا في البلاد تتضمن الحشيش، ثم الكابتاغون، ثم الهيرويين.

مع ذلك يشكو خبراء من شح المعلومات والبيانات حول هذه السوق.

وعلى عكس التعامل الصارم مع المهربين والتجار والمنتجين، يبدو أن السعودية تتعامل بشكل مغاير تماما مع المستهلكين خاصة إذا تقدموا بطلب المساعدة.

وزارة الصحة السعودية أعلنت العام الماضي عن تفعيل مبادرة تعزيز خدمات علاج الإدمان في العيادات النفسية، ورشحت 50 مستشفى لديها كعيادات نفسية طبية.

بي بي سي تحدثت إلى مشعل الحارثي، الأخصائي النفسي والمدير التنفيذي المساعد في مراكز ومنتجعات قويم لعلاج الإدمان.

وقال الحارثي: “مريض الإدمان يحتاج في المرحلة الأولى إلى التقبل الأسري لهذه المشكلة ومن ثم الذهاب بهذا المريض الى إحدى المصحات المتخصصة.”

وأضاف أن المرحلة الأولى في العلاج هي سحب السموم (ديتوكس)، وقد تستغرق بين خمسة أيام وعشرين يوما. ثم تبدأ “الرحلة الطويلة” وهي عملية إعادة التأهيل.

يقول الحارثي أن المركز يولي اهتمامه لعلاج كل أنواع الإدمان وليس فقط الإدمان على الكابتاغون.

“أي مادة يساء استخدامها تتحول إلى ما يسمى بالاعتمادية. يشعر (المدمن) بارتباط مع هذه المادة، لكن في نهاية المطاف يشعر بمشكلة أنه اصبح لديه اعتماد على المادة. دور الفريق المعالج في قويم وكل المراكز العلاجية المتخصصة أن نساعد المريض في التخلصن من المشاعر المرتبطة بهذه المادة من خلال برنامج علاجي.”

—————————-

===================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى