لا تكابر يا أكابر/ يعرب العيسى

14 ابريل 2026
لا يحطم النقدُ القلعةَ، بل رفضه ما يفعل.
منطقياً، لم يعد أحدٌ يحتاج أن تعيد عليه هذه البديهية، لكن البلاد “الولّادة” دائماً ما تنجب أجيالاً تعيد تعلّم الدروس منذ “قام باسم وقامت رباب”، وحتى أسباب خراب العمران. ولا مشكلة لديها أن تدفع الأثمان نفسها مراراً. وهي في كل مرّة تدفع فيها ثمن العناد، لا تستطيع دفعه وحدها، فتشرك الجميع في الفاتورة. الناس والأماكن والحقول والأطفال والأبناء الذين سينجبهم هؤلاء الأطفال حين يكبرون.
منذ الاستقلال ونحن ندور في هذه الحلقة، والتي من دون كسرها لا يمكن السير خطوة إلى الأمام في الاتجاه الصحيح. من يقول كلمة مختلفة فهو خائن، من يسدّد ضوءاً على خطأ فهو مدفوع من قوى خارجية تتربص شراً بالبلاد، من يكشف عيباً فهو “يوهن عزيمة الأمة”، وهذا نص قانوني صريح، يسخر منه الجميع، لكنهم يطبّقونه على كل من يخالفهم، ويأخذون بالعوامل المشدّدة، والتي أضيف إليها أخيراً كائن شبحي غامض اسمُه الفلول، لا أحد يعرفه ولا أحد يراه، لكنّه يمكن أن يفعل أي شيء في أي وقت وأي مكان. يمكن له أن يعتدي على سفارة دولة شقيقة، ويطالب بإطلاق سراح قائد في جيش الإسلام موقوف لديها، ويمكن له أن يكتب مقالاً يدسّ عبره السم في العسل، وأن يُطلق النار من فوق درّاجة نارية على سيدة تعبر الطريق، أو يقتل سيدة أخرى في بيتها ويسرق مصاغها، يمكن لهذا الفلول أن ينتقد احتضان فلول آخر، ويعترض على إزالة بسطة خضار أو على السماح بوضع بسطة خضار.
فلولي موهِن، والأمة التي يوهن عزيمتها مقالٌ في صحيفة، ويهدّد أمنها القومي بوست على فيسبوك، أمة واهنة أساساً، وأمنها القومي مستباح.
في سورية اليوم، يظنّ ناسٌ كثيرون أنفسَهم مدافعين عن: النصر، الثورة، الوطن، الناس، الدين، الحكم، أحمد الشرع، الاستقرار، الفرصة، المستقبل….. بينما هم في الحقيقة يعرقلون ذلك كله عبر حرمانه من طريقة التصويب الوحيدة المعروفة، والوصفة المجرّبة للتصحيح، أي النقد.
ومن يفعلون هذا اسمهم مكابرون لا مدافعون، ومحاكمتهم المنطقية لا تقوم على تقييم الأفعال والأحداث، وتقسيمها إلى صحّ وخطأ، ويجوز ولا يجوز، وحرام وحلال، وقانوني ومخالف. بل على تقسيم النحن وهم. والهُم تعني كل الآخرين. فحين تأخذ موقفاً سلبياً من قضية، أو فعل قام به شخصٌ ما، ثم تنبري بحماسة لتبرير الفعل نفسه حين يصدُر عن شخصٍ آخر، فكل حجج الدنيا لن تقنعك أنت نفسك.
نحن تحت القاع بقليل، والمراوحة في المكان ليست ثباتاً، بل نزولاً وحفراً في القاع، والمكابرة تعني هذا تماماً. نحن لا نملك هذا الترف، ليس لدينا الوقت ولا الإمكانية، لنتوه مجدّداً في نقاش جنس الملائكة.
الطعن في منشأ أي كلمة مخالفة، وجرح أي رأي عبر تشطيب قائله، لم تعد سخافة، بل صارت كارثة، وخسارة مفتوحة كثقب في خزّان الطاقة الوطنية. فهذا طالبُ منصب، وذاك طامعٌ في استثمار، والآخر أقلوي، والرابع فلول، والخامس حضر مباراة لمنتخب كرة القدم في ملعب الشارقة عام 2019 وحمل العلم الأحمر.
الوقت النادر الثمين يضيع، وما عاد بإمكاننا أن نقول: لسنا أكرم من ربّكم الذي أعمى بصيرتكم، تصطفلوا.
العربي الجديد



