شعر

أدولفو غارسيا أورتيغا.. قافلةُ مَن كنّا ومَن سنكون

ترجمة وتقديم: جعفر العلوني

كلُّ ديوان شعري جديد للشاعر والروائي الإسباني أدولفو غارسيا أورتيغا (Adolfo García Ortega) يمثّل قفزةً فارقة في الأدب الإسباني عموماً، والشعر الإسباني على وجه الخصوص. منذ أن بدأ غارسيا أورتيغا (بلد الوليد، 1958) مسيرته الأدبية، مع ديوانه الأول “هذه الصنعة الرقمية”، عام 1983، والشعر يشكّل جزءاً أساسياً من مشروعه الأدبي، ومن سيرته الذاتية الشاملة ككاتب.

الشعر، بالنسبة إليه، أرضٌ واقعية يمكن فيها التأمّل والنقد. إنَّه فضاءُ العواطف والمشاعر المشتركة. ذلك أن شعره استكشافٌ عاطفيٌّ لحياة الآخرين. وكأنّه، بتسليط الضوء، في قصائده، على حياة الآخرين، يتبنّى موققاً سياسياً وأخلاقياً على حدٍّ سواء.

في كتابه الشعري الجديد، “مليشيا”، الصادر حديثاً عن منشورات Parker في مدريد، نعثر على عدد كبير من الحيوات التي تتحاور معنا وتُحدّثنا، تُظهر لنا جراحاتها وحيرتها. إنها أطلالٌ نقف عندها ونرى التاريخ الداخلي لعالمنا القائم على سلسلة من المآسي الصغيرة والصراعات المجهولة واللامرئية.

    شعره أسئلةٌ عن الوجود وعن قصص المجهولين من الناس

القصيدة، بالنسبة إلى الشاعر الإسباني، بَلْبَلةٌ وقلق، قصّة تزدهر لكي نضطرب، كي تُظهر لنا الفوضى والعبث. هكذا تبدو سرديّة القصائد وكأنّها شكلٌ من أشكالِ الاعتراف، أي، قصائدُ أزمة، ذلك أنّ الحياة والحقيقة متناقضتان. “مليشيا” كتابُ تلك الاعترافات التي دفنها ضجيج العالم في أحاديثه اليومية، تحت العناوين الكبيرة.

تبدو لغة غارسيا أورتيغا وكأنّها تُكتب لكي تحتضن أسئلة الوجود، أسئلةُ: مَن هي، ومَن هو، ومَن أنت، ومَن نحن في تاريخ هذا العالم؟ إنها شعرية التساؤل عن قصص أولئك المجهولين الذين يعيشون رمادية الأيام، وإلى أيّ مدى يعكس التاريخ حياتهم بشكلٍ أفضل.

يستمع الشاعر إلى كلّ قصيدة يكتبها، إلى كلّ قصة يرويها، مانحاً بذلك الكلمة الشعرية مهمّةَ أن تكون مكان التقاء المشاعر والحساسيات، مشاعر الذات ومشاعر الآخر. القصيدة، في نهاية المطاف، مكانُ وزمانُ الاهتمام بكلّ ما توقّفنا عن الاهتمام به ورعايته.

هنا ترجمةٌ لثلاث قصائد من مجموعته الشعرية الجديدة “مليشيا”.

قافلة

أُسرعُ نحو الباب كي أرى الموكب.

أرى دمي يسير فيه

أبي وأمي،

وينشقّ الليل في منتصف المسير،

وأرى الأحلام تجري بين الظلمات.

أحلامٌ غريبة، لكنّها تبدو لي جميلةً.

وتسير الحيوانات وتُردّد أصواتاً أفهمها. 

والكلّ يعدو:

مَن يغمغم، مَن يضحك،

الحمقى والأذكياء، 

الدمى الجميلة والجنود،

الفتيات والمتسوّلون.

تسير الأيادي

وتمشي الظلال، الألوان، الطقوس، التوقُّفُ.

وأرى الأخطاء تخطو أمام باب بيتي وأنا واقفٌ.

أرى موكب مَن كُنّا ومَن سنكون.

■ ■ ■

رفيق الكلاب

كلّ هذه البيوت، كل هذه الشوارع الجميلة…

هو يعرف أنه لو عاش هنا، لركضَ كلّ صباحٍ. 

ليس شخصاً مثالياً، له سيّئاتُه

لم ينل هذا العمل لأنه بارعٌ أو لأنه شخصٌ رسميّ.

وإذا كان الآن يرافق الكلاب وينزّههم، فلأنه صعب المراس مثلهم. 

الكلاب، والمخرّبون، والذين لا ينفعون، يتشابهون في كلّ شيء تقريباً. 

وكان قد رأى كلاباً ضالّةً مثل روحه السوداء.

هو يعرف أنه لو يعيش هنا، في هذه البيوت الجميلة، 

في هذه الشوارع الرائعة، لركض كلّ يوم مع كلب.

لو كان يعيش هنا لكان كل شيء مختلفاً ورائعاً:

أوّلاً لن يكون عليه أن ينزّه الكلاب،

فالكلاب لا تتكلّم،

تنظر، تُراقب، تختبئ وتفقد الأمل، مثله تماماً. 

عمله أن يأخذ الكلاب إلى الحديقة، لا إلى أيّ مكان آخر،

دون انحرافاتٍ أو نفاد صبر أو أي شيء من هذا القبيل.

وليس مضطرّاً أن يشرح لهم ما يحدث في الحديقة.

أحياناً يغريه أن يترك أحد الكلاب مربوطاً إلى جذع شجرة

أن يختار الطيف، اللامرئيّ، غير المهمّ ويربطه.

ليست جريمة أن يهجر كلباً في الحديقة.

في أثناء التنزّه، الكلاب لا تنبح، تخضع،

يتركها في العاصفة، وتتابع مشيها على الحصى.

كثيرة هي المرّات التي كره فيها الكلاب، لا سّيما عندما يعود من التنزّه.

في المقابل، الكلاب تحترمه، تُرافقه.

الكلابُ لا تعرف أنه يعمل رفيقاً لها.

تعتقد أنّه في القطيع كلبٌ آخر،

كلبٌ مطيعٌ، منضبطٌ ومتعالٍ:

كلبٌ بوليسيّ.

■ ■ ■

عن الأرانب

يا فتى، ألم تسمع أبداً عن تلك الأرانب 

التي تقرأ أفكار أصحابها؟

حاذر أن تفكر سيّئاً بأرنب أمامه 

سيعبر الدرب الذي أنت ويقفز داخل عينيك

سينتهك أكثر ما تحبّه برأسه ذي الأذنين الكبيرتين.

الأرانب تسقط من الغيوم

وفي وسط الأسرةِ السعيدة تقضم الأطفال

تقرض وتقرض حتى تفتح حفراً فيهم

أطفالٌ من لحمٍ، من دمٍ، من خشبٍ،

أطفال يلعبون مع الأرانب. 

خطمه القاتل يتظاهر بالحلاوة

مثل خدٍّ سمينٍ

وعندما يُهدي لنا شخصٌ ما أرنباً

نسمع موسيقى غبية،

وفجأة تلمس يدك تلك النعومة المثيرة. 

فراءُ الأرنب حريري

ووجهه صفة مروّعة.

الأرانب الغاضبة تثير الاشمئزاز

تضرب العقل بمطرقة.

تُمزّق، تعضّ بعنف

وتصرخ بصوتٍ حاد. 

إنها حيوانات سريعة. 

إذا اقتحم أرنبٌ ضخمٌ أحلامك

فقل وداعاً لعقلك يا فتى.

يقترب منك، يُحاصرك، يحدق بك

ولا ملاذَ لك إلّا الصراخ.

لا تترك أرنباً يدخل بيتك، لا تفتح له الباب.

ألا تعرف أن الأرانب جرذانٌ تحت لباسٍ آخر؟ 

اذبح أرنباً وكلّ شيء سينتهي في حياتك، يا فتى.

بطاقة

Adolfo Gracía Ortega شاعر وكاتب إسباني، من مواليد بلد الوليد عام 1958. تتوزّع أعماله بين الشعر والرواية والقصة والمقالات، إلى جانب ترجماتٍ عن الفرنسية والكتالانية. إضافة إلى “ميليشيا” (2022)، أصدر أكثر من عشر مجموعات شعرية، من بينها: “أسباب غامضة” (1988)، و”رماد الجنّة وقصائد أُخرى” (1997). وله في الرواية ثلاثة عشر عملاً، آخرها “الرحلة العظيمة” (2022). عمل صحافياً في جريدة “إل باييس” لسنوات.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى