أفلام

فيلم Aftersun

فيلم «بعد الشمس»: كأنّ أحدنا يقلّب ألبوماً عائلياً/ سليم البيك

إن كان لا بد من تسمية اكتشافٍ سينمائي للعام الماضي، فسيكون هذا الفيلم. هو الأول لمخرجته الإسكتلندية شارلوت ويلز، شارك في مهرجان كان السينمائي، على هامشه، في تظاهرة «أسبوع النقّاد». ومن بعد العرض الأول بدأ ينال اهتماماً نقدياً وصل أخيراً إلى تسميته من قبل مجلّات وصحف منها «سايت & ساوند» و»الغارديان» و»إندي واير» بأفضل أفلام العام. فيلم هو الأول لمخرجته الشابة، مغامر في شكله، شديد الحميمية، ولم يُفتَتح في أيٍّ من المشاركات الرسمية والأولى في المهرجانات الكبرى. التقدير الأساسي للفيلم كان نقدياً ومن هنا، من النقد، استحقّ الفيلمُ الاحتفاء اللاحق.

«بعد الشمس» (Aftersun) مغامِر، بمعنى أنّه اتخذ معالجةً وأسلوباً غير تقليديّين لموضوعه، خاصة أن الموضوع ذاته متوقَّع لأي عمل أول: التجربة الشخصية. كثيراً ما تكون هذه التجربة مسيطرة على الأعمال الأولى للمخرجين، مستحوِذة على باقي جوانب العمل السينمائي، فيركّز المخرج في موضوعه لا في المقاربة ولا الأسلوب. هنا، أتت هذه التجربة من ناحية شديدة الحميمية، في علاقة أب محبٍّ يبلغ الثلاثين وابنته الأذكى والأوعى من عمرها، والأقرب لتكون أخته، وقد ظنّ آخرون ذلك، وهي في الحادية عشرة من عمرها.

الموضوع عادي في حدوده، استعادة لصوفي بعد عشرين عاماً، لرحلة لأيامٍ أمضتها مع والدها المنفصل عن والدتها، الوحيد، في منتجع سياحي في تركيا. أما الخاص فكان مقاربة ذلك: الحوارات، الأداء، التقطيع، التصوير، وتحديداً الأسلوب شديد الواقعية الذي حمل كل ذلك، هو بذلك أقرب إلى الفرنسي إيريك رومير وأبعد عنه، أقرب في أجوائه الصيفية وأحاديثه العادية، وأبعد في تقطيع تلك الأحاديث وفي جعلها جملاً قصيرة وحقيقية وعفوية.

الفيلم يصوّر تلك العلاقة في تداخل بين كاميرا فيديو منزلية، يبدأ بلقطاتها الفيلم، تصوّرها صوفي في بداية الرحلة، لقطات متداخلة مع واقع لا نرى منه سوى دقائق على طول الفيلم، هو راهن صوفي في بيتها مع شريكتها، منعكسة على شاشة تلفزيون تستعيد منها ذكرياتها مع والدها. نعود إلى الذكريات، المختلطة عليها لقطاتُ فيديو صوّرتها الطفلة لوالدها أو معه، ليكون الفيلم بمجمله تلك الرحلة شديدة الحساسية في تصويرها وحواراتها. لا قصّة هنا بل يوميات الرحلة، الاسترخاء طويلاً عند المسبح، التأمل في السماء والأحاديث الأشبه بفواصل بين مساحات صمت واسعة، بين الأب وابنته، والأحاديث الخفيفة مع آخرين في المنتجع ذاته. يوميات مصوَّرة دون ترتيب درامي، دون غاية يسعى لها الفيلم، لكل مشهد اكتمال في ذاته واستمرارية في ما يليه دون عناء أو ادّعاءِ بناءِ سردٍ درامي للفيلم الذي كان، على طوله، حالة تأمل في مشاهد عادية غير سينمائية بالمعنى التقليدي، وحوارات تحمل مجانية في عشوائيتها، مع المَشاهد، مع السياق العام الذي أدخلَنا الفيلم إليه من لحظاتها الأولى، كلّها تحمل أحدَنا إلى عالم لا يطلب منه تتابعاً ما ولا قَصّاً يبدأ وينتهي، بل إلى عالمِ تأملٍ لكل مشهد على حدة، وإنصاتٍ لكل حوار على حدة، ورغبةٍ في إطالة الرحلة وإجازة صوفي المدرسية، ليطول بهما الفيلم.

استسلام المُشاهد هنا، وعدم الشعور بأحقّية تلقّي حكايةٍ ما في الفيلم، أو بضرورة دراما ما، استسلامه من خلال رؤية، لا مشاهدة، الطفلة ووالدها في يومياتهما، بتحبُّبٍ في شخصيتيهما تَدخلان سريعاً إلى قلب المشاهد، دون مبرر لذلك، هذا الاستسلام الذي يدركه أحدنا متأخراً، بعد اللقطة الأخيرة من الفيلم، يجعله مشاركاً في الرحلة، لا متلصّصاً عليهما بل مُزيحاً نظره تجاههما علّهما ينتبهان، يبتسم لمقطع من حوارٍ بين أبٍ مُحبّ وطفلة محبوبة، هذا كلّه كان بفضل التصوير والتقطيع شديدي الواقعية في أسلوبهما، شديدي القرب، حسّياً وتقنياً.

المَشاهد تختلط بين تصوير ثابت وعن مسافة تسمح لإدراكِ ما يحصل، وآخر غير متّزن ومقرِّب لتحديد ما نراه، في عفويته، وفي واقعيّته، ليكون الفيلم في أكمله رؤيةَ الطفلة وإدراكها، هي التي تحمل الكاميرا وتصوّر والدها بلقطات غير مفهومة، كأنّها أدركت الرحلة بعد عشرين عاماً، الفيلم بمجمله كان ذكريات مصوّرة ومستعادة لصوفي، كان رسالة حب متأخرة لوالدها.

كما بدأ الفيلم، كأنّ أحدنا يقلّب ألبوماً عائلياً، بتداخل احتيالي بين ذاكرة صوفي وراهنها، بين الرحلة في صورٍ عبر التلفزيون والغرفة التي تشاهد فيها صوفي الصوّر، ينتهي كذلك بتداخلٍ يعيدنا إلى راهن صوفي في بيت تفرش على أرضيّته سجادة تركية أراد والدها شراءها وحال سعرها دونه، كأنّها استعادت لاحقاً ما أحبّ والدها الحصول عليها ولم يستطع، كأنّها تستعيد والدها بما أحبّ، وبمن أحب، وبالأيام التي أمضياها معا في علاقة بين أب وابنته كانت في أكثر حالاتها رقّةً وحميمية.

كاتب فلسطيني سوري

لمشاهدة الفيلم

الرابط الأول

Aftersun

الرابط الثاني

Aftersun

الرابط الثالث

Aftersun

معلومات عن الفيلم والمخرج والممثلين في الرابط التالي:

https://www.imdb.com/title/tt19770238/

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى