شعر

اشربوا من بئر أنفسكم/ تشارلز بوكوفسكي

في كل دواوينه، تقريبًا، جعل تشارلز بوكوفسكي من القصيدة صوتًا للواقع، مرسخًا لونه الخاص كشاعر متفرد. فالقصيدة تقول الواقع ومشكلاته من منظار فردي خالص، وتشحنها بروح متمردة تؤسطر نفسها في كشفها الشعري. وبهذا المعنى، كل قصيدة مغامرة في الكشف، في التغلغل أعمق في طبقات الواقع، وطبقات اللغة، ما يعني أن القصيدة تمارس الحفر والتنقيب والاستكشاف أكثر مما تمارس التزيين، أو التعليق، أو التفكير، أو الوصف، فهي سفر دائم، وليست وصولًا أو احتفالًا بهذا الوصول، كما أن القصيدة ليست نسخًا للغة المألوفة، أو المتداولة شعريًا، إنها خرق لطبقاتها، ويتجسد هذا الخرق عن طريق فعل الكتابة الاستكشافي المنطلق من الصفر نحو صفر آخر، أي إنَّ الكتابة لا تنطلق من مسبق، ولا تجد نفسها تصل إلى أي اكتشاف نهائي، ولا تؤسس نموذجًا، أو مرجعية. يعني هذا أنها أفق للتجريب المتواصل، المرتبط بفعل الكتابة نفسه، فالشاعر لا يكرر نفسه، بل يحاول دومًا أن يكون مختلفًا في كل قصيدة جديدة، وهذا الاختلاف هو في عمق القراءة الاختراقية لطبقات الواقع.

يُعَد تشارلز بوكوفسكي الشاعر الأشد اختلافًا في المشهد الشعري الأميركي في أوج عطائه، فهو الذي كتب القصيدة انطلاقًا من التجربة، أي إنَّ قصيدته نتاج حياة عيشت في القاع الاجتماعي، وطورت رؤيا من خارج الأبراج العاجية والعزلة والترفع على الواقع، بوساطة الاحتكاك اليومي بإيقاع الحياة في تقلباتها. هنا، لدينا شاعر رأى وخبر وتذوق مرارة الواقع كخبز يومي، وأعاد إنتاجها في القصيدة. لم يكترث بالشعر الرفيع، أو المدارس الشعرية، أو الأصوات الكبرى، ما كان يهمه في الدرجة الأولى هو أن تكون القصيدة صوت جسد الشاعر، وأن يكون الشاعر صوت الواقع، أو الحياة، ولهذا جاءت لغته من البار، والماخور، وحلبات سباق الخيل، وخيام المشردين، وأجواء العمل الأشد صعوبة، والسياقات الاجتماعية الأكثر تفككًا، ومن التشرد، وصداقاته الناجحة، أو الفاشلة، ورصده لما يدور حوله، أي جاءت من حياة الجسد، لا من الذهن، لم تهتم بليل الوجود، أو نهاره، بل بتسليط الضوء على ليل الواقع وظلمه، بحيث تنحدر القصيدة أمام القارئ كالشعاع وتضيء. أما تجربته الكحولية فكانت في صلب هذه الكتابة، وهي بالنسبة للشاعر تجربة نواسية لها هويتها الخاصة، لأنها في رأيه تبقيه دومًا على الهامش الذي يريد أن يبقى فيه متمردًا على الأعراف والذوق الاجتماعي السائد.

وحين يتحدث بوكوفسكي عن المرأة لا يتحدث عن المرأة المؤسطرة، ولا المؤلهة، ولا المشيطنة، ولا المرأة التي تحولت إلى رمز كوني للخصوبة، أو التجدد، ولا تلك القادرة على إعادة خلق الوجود، بل يتحدث عن المرأة الواقعية، المرأة كما هي في سياق هذه الحياة التي نعيشها، والتي يتم الدخول إلى عالمها عن طريق الكشف، وليس عن طريق الوصف.

يختار بوكوفسكي الغوص إلى القيعان الأشد عمقًا في طبقات الواقع، وكشف الزيف الذي ينطوي عليه وجودنا. ثمة في ديوانه الأخير “هلمّوا بالدخول”، الذي اخترنا منه هذه القصائد، ما يُشْبه نبرة وداع، ونبرة وصية، وتوضيح لموقفه التمردي من الشعر، وعالم الأدب بعامة، إنه يحول حياته الشخصية في سياق واقعها الدوني المفكك والمحطم إلى أسطورة شعرية تفضح كل شيء. قصيدته أشبه بالفضيحة، ولهذا يلجأ كثيرًا إلى السرد، كما لو أنه يؤلف قصصًا، إلا أنه سرعان ما يستيقظ في قصائد شعرية خالصة تخلو من النثر خلو الذهب من الشوائب، كما لو أنه يقول: لا تظنن أنني غافل عن هذا، ولا تحسبنّ أنني أدفع لغتي إلى الهبوط إلى عالم النثر بدلًا من أن تظل محلقة بجناحي اللغة الشعرية؛ إن الجمع بين لغة الشعر ولغة السرد يساعدني على التغلغل إلى أبعد. إنه أشبه، عربيًا، بأبي نواس (هنالك قصائد سردية قصصية في ديوان أبي نواس رغم أنها في قالب وزني)، وخاصة أنَّ كليهما يتحدث عن معاقرة الخمرة كعزاء، كمتعة جوهرية، كعالم آخر يوازي العالم الواقعي ويتفوق عليه، لكن شعرية بوكوفسكي مع الفارق الزمني الكبير، موغلة في التحرر، لأن الشعر بطبيعته حر، ويتدفق تلقائيًا، ولا يراعي أية قواعد سوى قواعد تأليفه نفسها، ليتغلغل أبعد في رفضه للواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأدبي.

يأتي بوكوفسكي كثورة وجودية ذاتية ذات طابع تهكمي ساخر، لا يميل إلى أسطرة نفسه بقدر ما يميل إلى هدم صورتها في كل مرة، والمثال بالنسبة له هو قدرة الشعر على الغوص أكثر في الواقع لكشف تهافته وضيقه وتحطيمه للقيم الإنسانية. وفي ديوانه الأخير، “هلموا بالدخول”، سمى نفسه “فتى الشعر الأميركي الرديء”، وهو لا ينتمي إلى تقاليد شعرية، بل يتمرد على التقاليد الأدبية، ويسخر من الجميع، ناشرين ومحررين أدبيين وصحافيين، وحتى من الشعراء المعلمين الذين يطلقون صيغًا وتصريحات مطلقة. يمكن فهم شعره بصفته أشبه ببيان ثوري انقلابي في الشعر الأميركي، انقلاب على نفسه أولًا، ثم على التقاليد الشعرية. يسخر من إليوت، ومن المشاهير، ويحتفي بالهامشيين، وشعره نوع من فضح واقع متهاو لا يصمد فيه أي شيء. بوكوفسكي اعتمد في شعره على التجربة والعاطفة والخيال، واستخدم اللغة المباشرة والصور الجنسية والحسية، وبنى أسلوبًا قائمًا على شخصيته لا يشبه غيره.

“لم يكترث بوكوفسكي بالشعر الرفيع، أو المدارس الشعرية، أو الأصوات الكبرى، ما كان يهمه بالدرجة الأولى هو أن تكون القصيدة صوت جسد الشاعر”

تشارلز بوكوفسكي شاعر يستعصي على التصنيف، وما يمكن أن يعرّف شعره هو التمرد على كل شيء: على نفسه، على التقاليد، وعلى النظم كلها، لهذا عاش حرًا، وكتب قصيدة حرة خرجت صادقة من القلب. يتنقل في شعره بين التحليق الشعري والهبوط النثري نحو تفاصيل تمهد لرحلة القصيدة في طبقات الواقع.

ولد تشارلر بوكوفسكي في أندرناخ في ألمانيا عام 1920، وجيء به إلى الولايات المتحدة الأميركية في سن الثالثة. ترعرع في لوس أنجلوس، وعاش في سان بدرو في كاليفورنيا، نشر قصته الأولى في سن العشرين، وبدأ بتأليف الشعر في الخامسة والثلاثين. نشر أكثر من 45 كتابًا في الشعر والنثر، وتُرجمت أعماله إلى معظم اللغات العالمية. وتوفي في عام 1994.

[ترجمة وتقديم: أسامة إسبر]

——————————–

العقل والقلب

نحن وحيدون بطريقة تَسْتعصي على الفهم،

وحيدون على الدوام

أن يكون الأمر على هـذا المنوال أمر مقصود.

وحين يبدأ الصراعُ مع الموت

فإن آخر ما أتمنّى رؤيته

هو

حلقةُ وجوهٍ بشرية

تحومُ فوقي

أُفضّلُ أن تكون وجوهَ أصدقائي

فيا جدرانَ نَفْسي

لا تسمحي لسواهم بالدخول.

كنتُ وحيدًا

لكن نادرًا ما كنتُ منعزلًا

أشبعتُ نفسي

من بئر

نفسي

وكانت تلك الخمرة جيّدةً،

أفضلَ ما حصلت عليه.

والليلةَ

وأنا أجلسُ

محدقًا في الظلام

أفهم الآن، أخيرًا

الظلام والضوء

وكلَّ ما بينهما.

إن طمأنينة العقل والقلب

لا تأتي

إلا حين نقبل ما

هو كائن:

بما أننا وُلدنا في هذه الحياة

الغريبة

يجب أن نقبل

المقامرة الخاسرة

لأيامنا

ونستمدّ بعض الرضى

من متعة تركها كلها

خلفنا.

لا تبكوني

ولا تحزنوا عليّ أبدًا.

اقرأوا ما كتبته

ثم انسوا كل شيء.

اشربوا من بئر أنفسكم

وابدأوا مرة أخرى.

—————————-

أرجوكم أريحونا من القادة

ابتكرْ نفسك وأعدْ ابتكارها،

لا تخضْ في ماء المستنقع مرتين.

ابتكر نفسك وأعد ابتكارها

وابتعدْ بها عن براثن الرداءة.

ابتكر نفسك ثم أعدْ ابتكارها،

غيّرْ نبرتكَ وشكلكَ دومًا كي

يعجزوا

عن تصنيفكَ.

تحرّكْ

اقبلْ ما هو كائن

لكن وفْق شروطٍ تمليها أنتَ

وتعيد ابتكارها.

كن معلّمَ نفسكَ

أعدْ ابتكار حياتكَ

لأنه عليك أن تفعل هذا،

إنها حياتك

وتاريخها

والحاضرُ لا ينتمي

إلا إليك.

—————————

أنشودتي

ذعرٌ

وافرٌ

ألمٌ

جمٌّ.

أيام قلقةٌ

وليالٍ من الأرق.

دومًا تقاتل بكل ما في

قلبكَ وروحكَ من قوة

كي لا تفشل

في الحياة.

من يريد

أكثر من ذلك؟

———————-

انطلاقة في الظلام

إذا لم نكن شُجْعانًا في مواصلة حياتنا،

ما الذي سنفعله؟

ما الذي ستفعلونه؟

إذا لم نكن شجعانًا في مواصلة حياتنا،

إذًا

في أي يوم

في أية دقيقة

في أي عام

سلكنا المسار الخطأ؟

أم هل كان هذا تراكمًا للأعوام التي مرت كلها؟

لديَّ بعض الأجوبة:

أن نموت، نعم.

أن نفقد عقولنا، ربما.

أو ربما،

أن نقامر بكل شيء؟

إذا لم يكن في إمكاننا امتلاك الجرأة للاستمرار في حياتنا

فما الذي يجب أن نفعله؟

ما الذي فعله الآخرون جميعًا؟

لقد واصلوا حياتهم

على نحو سيء،

وربما سنفعل هذا.

أن تعيش حياة طويلة

يتطلّب ما هو أكثر من الزمن.

    المترجم: أسامة إسبر

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى