نصوص

قطرة ليمون في العين/ جولان حاجي -على جزئين-

قطرة ليمون في العين

(1)

هذا النص الطويل جزء من كتاب يحمل العنوان نفسه «قطرة ليمون في العين». انتهت كتابته الأولى على الطريق إلى ويلز، بعد اللقاء مع الممثل السوري عمار الحاج أحمد في محطة يوستن للقطارات، لندن، خريف 2019. الرسوم المرافقة منتقاة من أعمال الفنان السوري منيف عجاج، المقيم في فرنسا، بالاتفاق مع الفنان.

    Seek those images

    That constitute the wild,

    The lion and the virgin,

    The harlot and the child.

    W. B. Yeats

حين فتحتُ عيني كنتُ غريباً عن كل شيء.

لا ألذّ من غفوةٍ لا فراش لها. قيلولة على رأس جبلٍ بضعَ دقائق، أو ربما دقيقة واحدة، أغنتني عن نوم ليلة كاملة. السِنةُ سَنة لمن آمن. للحظاتٍ لم أعِ أين أنا، ولو سئلتُ اسمي لما تذكّرته. عيناي ترمشان. جافتان قليلاً. أستدلّ بجفافهما إلى وصول أولى الهدايا من الشجر والزهور التي سيُخضِّبُ طلعُها بياضَ عيني، ويُسيِّل أنفي. تنمّلٌ في وجهي، وإبرٌ تخزُ أسفل فكّي. هل سُقيت سُمّاً، أو ترياقاً، وأنا غافٍ بشفتين منفرجتين؟ هل توفّاني «الملكموت» وأنا وسنان؟ ألمٌ خفيف يتيبّس معه أيسر عنقي لا يلبث أن يزول. حموضة خفيفة تفور من معدتي الفارغة. رأسي فارغ تحت السماء الصافية الواسعة. كأن هذه الصخرة التي اتكأتُ إليها قد امتصّت عقلي فنسيتُ كل شيء، وتبخّرت أفكاري في البخار المتصاعد من رؤوس الأشجار، فصفوتُ كأحجار هذه المرتفعات حولي، والتحمتُ بترابٍ أنا منه وسأكون فيه.

أخيراً، هَجرتُ كل الذين أعرفهم، المبعثرين مثلي. تركتُ المقاتلين وأهل السِلم، الشجعان والجبناء، الصامتين والمفوّهين، واختفيتُ مثلما حلمتُ على الدوام. أخيراً، اختليتُ بنفسي كحيوانٍ انزوى لأن ساعة أجله قد حانت. قدماي مكدودتان، ساخنتان. الهواء رقيق. آخذ نفساً عميقاً تتغلغل برودته في أحشائي حتى تبلُغَ الكعبين والأصابع، وأكاد أدوخ. نضحتُ عرقاً وأنا أستعجل المشي في وعورة هذه الشِعاب. جعبتي أثقل من كيس عدس. كتفاي متشنجتان ممّا حملت. سروال البشمركه الذي أرتديه مريح وسميك، بيج، أمتن من شوادر الخيام. أحياناً يطقطق كجلباب أحْمِه مجنون البطيخ، غاسل الوجه مرةً في الأسبوع. كان إذا قرفص خاف أن يتقصّف ثوبه كخبز المرقوق اليابس، بعدما تشرّب القماشُ عصيرَ البطيخ وتعفّر بالتراب، فقسا كالفخّار. كنتُ أتملّى ما يسيل من الماء الأحمر إلى نحره ومعصميه، فأمرّر إصبعي على خطوط العصير التي نشّفتها شمس الصيف على صدر جلبابه، وأقول:

    -هذا شطّ العرب وخليج الفرس، وهنا بحر الخزر والبحر الأسود، وهنا المتوسط.

ثم أرسم له على تلك الخطوط بقلمي ذي الألوان الأربعة خريطةَ كردستان. كان يلحّ علي:

    -غطّ بكردستان قلبي، وافتحها على البحر الأبيض، لتتعلّموا السباحة في المستقبل، ولا تكرهوا الاستحمام مثلي… صِلِ المحرومة بالبحر، حتى لو أكلت بعضاً من أراضي جيرانها هنا وهناك.

سروالي أطرى، فضفاضٌ كسراويل العتّالين الذين كان السِّماط يبري مغابنهم، القماش في منتصفها يتدلّى متجعّداً، مُهدهداً خصاهم في الحرّ (كانت هذه هي الصورة التي ترتسم أمام عيني، أو بالأحرى وراءهما، حين تصادفني كلمة «تدلّى»). كانوا يقولون إنّ لأحصنتهم معلفٌ احتياطي، فهذا الجيبُ الثالث، الواسع والمتدلّي، مستودعٌ أيضاً، يصلح كمكان دافئ معتم لتحمرّ البندورة الفجّة، بعد قطافها أواخر الصيف، تلذّ حموضتها لأسنانهم في عشاءات تشرين، وقد علقت بها ذرّاتُ تبن. أحياناً، كانت تفوح منهم كالأطفال رائحة بودرة تالْك. كانوا يرشّونها تحت آباطهم، وعلى شعر صدورهم وأصفانهم. كان العرق يضرّج وجوههم، وهم يرفعون بالكلاليب أكياسَ الحبوب على ظهورهم، خلف شاحنات سكانيا، ويصعدون بخطى وئيدة سلالمَ الخشب التي لا فراغات بين درجاتها، مشيّدين بيوتاً شاهقة من الحبوب، تحت شمسٍ تسلخ الرؤوس في حزيران وتموز. كنتُ أراهم من بعيد فأدوخ. أفكّر بدوار المرتفعات الذي بدأتُ أعاني منه هنا، وأخجلني ظهوره. أحياناً تبدو لي السفوح الشاهقة جدراناً تميل صوبي، تتداعى فوقي وتدفنني.

يفرِغُني الجبل من عقلي. يرميني في هاوية لا نهاية لها داخل نفسي. المهالك محيطة بي، وروحي بأمسّ الحاجة إلى قوّة جسدي وخفّته. لا غنى لي عن الخفّة، لتستمرّ أيامي المتبقّية هنا، وأنجو بجلدي. ما عاد لي سقفٌ مرفوع بأيدي البشر. النوم في العراء أخطر وأقصر، لكنه أعمق. مَن يستغرقه النوم تدكُن بشرته كالغرقى. خفيفةً تعود مخاوفي الأولى التي أرّقتني، وجهدت سدى لدحضها: الأحراش هي الشعر المنكوش لـ«سوداء الليل»، عيونها الحباحب- البرغش «أبو لمبة».

الحافات كارثة لمسرنمٍ مثلي. مرة أنهضني شلال. سار هديره بقدميّ. تثعبنَ الدرب الضيق حتى وقفتُ على شفير حفرة، بعيدة الغور، كما يُقال في مواضيع الإنشاء. لن تصدّقي أني نمتُ بعينين نصف مفتوحتين على الحافة، يهدهدني، طوال الليل، الخرير وارتطام الماء بالصوّان، حتى دفّأتني الشمس وأيقظتني. لاح أمامي جدار رمادي شاهق. حفرة لا قرار لها بالفعل. حدّقت بنصل حربتي، كصغيرٍ يتملّى وجهَهُ منعكِساً على قفلٍ لامع، فرأيتُ قسطاً ضئيلاً من الهاوية. تمليتها حتى دار العالم بي، بطيئاً مخيفَ الهدوء، كصقر يحوم في دوائر فوق هذه المرتفعات، قبل الانقضاض عليّ. غثتْ نفسي غثياناً شديداً كان سيدفع رفاقي للتشكيك في رجولتي. ثم بدأ الطنين. تخيلتُني أهوي دون بلوغ أيّ قرار، كأنّي الشلالُ وقد استحال قالبَ جليد عملاقاً. كيف للماء هادر الجريان أن يتجمّد؟ كأن المشهد كله جرى داخل جسدي، وأنا الحالم بسقوطٍ أستيقظ منه في الثواني الأخيرة، قبل ارتطامي بالقاع، فلا يلاقيني حتفي الذي يرافق كلَّ خطوة أخطوها على هذه الجبال. أظنّه دنوّ الموت ما يُدني الإنسان إلى طفولته، فكيف سأفارقها إذا لم يفارقني؟ ربما كل ما أراه قد وَلَدتْهُ أحلامي وكوابيسي، تجسّد حولي وأنا نائم.

كل شيء يحلم- الجمادُ، وما يتنفس من المخلوقات. مَن يحلم يسبّح، وثانية الحلم دهرٌ، كيوم من أيام خلق الكون. إذا كان بعض الأكراد أحلام الصخور، فبعضهم الآخر حلم كلب، أو حلم حصان، أو حلم شجرة. أنا حلمك. كم نهرتني عن صفاقة التحديق في وجه نائم، إلا إذا غشَتْه ستارةٌ رقيقة. النوم شرُّ وقتٍ لصبّ اللعنات. مرةً خلعتِ خمارك الشفيف، وغطّيتِ به وجهي، الغاطّ في النوم، لتهشّي ذبابة ملحاحة تتنقّل بين زاوية فمي وزاوية عيني، أذني متوسّدة راحتي، كأني عبد الباسط عبد الصمد موجوع التقاطيع، ولا شيء، لا شيء حتى أعجوبة النوم، بقادرٍ أنْ يشرح لي هذه الجهامة لتفارق وجهي. أفقتُ شامّاً فوحَ الغار في خمارك الذي تغسلينه بيديك، قادماً إليك من مكان بعيد داخل نفسي. عيناك العسليتان الواسعتان مفتوحتان فوقي. شرودك يخطرني أنك قد رأيتِ المنام نفسه قبلي بلحظات. كلانا نسيناه، ثم عاد إليك أولاً. لا تدرين في أيّ ظلمات تدور المنامات، خارج جسدك، أم في صندوق دماغك، أم عروق دمك. كنت ترين بؤبؤيّ يتململان، تحت ارتجافات جفني المسبَلين، يدوران كمكوك الحائك، فينسجان حلماً أنساه ما إنْ أفتح عيني. ذاك أوان المنامات في «نوم الريم» الخفيف. حسبته «نوم الغزال». تمسكتُ بخطئي، بعدما علمت أنّ المقصود من «ريم» هو حركات العين السريعة، كما يسجّلها تخطيط الدماغ، و«نوم الغزال» هو الصرع الصغير. آلات لا تفهمين تعقيدها تحجب الألغاز. لا أحد يستطيع أنْ يسترجع حلمه كاملاً. كنت أخاف حقاً دفتر إبليس، أو دفتر الملاك، ففيه تُدوَّن كلماتُ النائمين. على كتفيّ متلصّصان شرهان كأفاعي الضحّاك يلتهمان عقلي، يسجّلان ما سيفلته فمي المهمهم من فاضح الأسرار وأنا نائم، أو ربما، في أروع الأحوال، ينوّطان لحناً، أو كلمات أغنية تتلاشى فور استيقاظي، فيتآكلني الندم، ثم يعود بعضٌ من تلك الأغنية المنسية، بغتة في وضح النهار، فيتأكّد لي زيفها، ولا يردعني هذا عن الانبهار بها. لن يضيع أيّ شيء.كان «شيخ الكُتّان» كبير العتالين. «عدم المؤاخذة»، كنتِ تحبّين ترديد هاتين الكلمتين، مازحةً بالعربية ليخفّ ضيق صدرك إذا طالتْ محاولاتك التحدّثَ بها. عدم المؤاخذة، إنْ كنتِ لا تعلمين، كان اسمه يُلْفظ بضمّ الكاف «شيخ الكُتّان». كان يجلس في استراحة الشاي في الميرة، تلك الخيمة المسيّجة بأكياس خيش قديمة، يمسّد الفتق الذي أصاب سرّته، وأقعده كأن «أحشاءه انهارت»، حتى لفّ الفتق بوشاح مملوء بتبن حصانه. كان يقول إنّ العتالين أولادُ أمّهاتهم، يُنسَبون إليهنّ كعيسى بن مريم، ولا يخجلهم أنْ ينطقوا أسماءَهنّ:

    -ليَ الشرف والفخر. فليُقَلْ عني ابن اليهودية!

يبني العتالون بالأكياس التي يحملونها منازل أوروبية ضخمة، قصوراً سطوحها مائلة، ولَبناتُها من ذهب القمح، يكسوها الخيش بدلاً من القرميد والغرانيت، ويغطّيها الغبار بدلاً من الثلج، خصوصاً حين يحمرّ الهواء بالعجاج، فتشحب الشمس كالزرّ القديم، وتزرقّ أنوار النيون في عواصف الخماسين، ازرقاقاً غريباً كقاتلات البعوض. رأيتُ، في تلك الساعات، كيف تخرج بخّاخات الربو من جيوب العجائز، الساعلين تحت خيم «قرموطي» لمجالس العزاء. لكنها منازل مصمتة من الداخل، لا تصلح للسكنى، اللهمّ إلا للعصافير والنمل وفئران الحقول والثعابين… هل تستطيعين أنْ تسكني منزلاً ليس له من حقيقة اسمه إلا الشكل الخارجي، وليس لك في داخله أي فراغ يخصّك؟ أنا أستطيع، حتى هنا في البرّية، تحت شجرة البندق الكبيرة هذه، لأنني عشتُ هكذا على الدوام- ضيفاً خائفاً، مسافراً خائفاً، لم يكن لي مكان في أيّ مكان آواني. كيف للحياة أن تُعاش، ما دمتُ أتوقّع ظهور من سيذكّرني في أيّ لحظة: «لست من هنا. عُد من حيث أتيت؟» كان المنزل حلماً تشرّدتُ في أرجائه. وحيداً، سأعود إليك وحدك.

امتعضتُ من شدّة المبالاة بأيّ شيء أقتنيه، وحراسته بالحرص. قلتِ:

    -لا أطيق البخل. الحريصون على مقتنياتهم بخلاء وجبناء. أياديهم من إسمنت. الأسخياء الحقيقيون هم البدو.

فخشيتُ أنني المقصود بالبخل في تعليقك، قبل إعدادك زهورات الختمية، ساعة العصر، وبينها زهرةٌ كانت زنزانةً أنا سجّانها. كنتُ ألاعب الموت بنحلةٍ أحبسها طيّ البتلات، ثم أغلق فم الزهرة وأقطفها، لأسحرَ مسامعَك بطنين الجمال الذي أخنقه، فتُعتقينه بصفعةٍ على ظاهر يدي. الختمية تُذْهب الوحشة عني، وأينما رأيتُها أعادتني إليك، أو إليّ؛ تكشّر لاهيةً معي، مثل طفل يغسل أسنانه وفرشاته بيدي؛ تُحيي بأبواقها الأمكنةَ المهجورة، وكأنها تعزف في صمت لحنَ وداع سرياً لأرواح الذين غادروا؛ تصطفّ بذورها السوداء في أقراص كعمامات العثمانيين، بل كحلمات النهود، على تلك السيقان الوبِرة، الرفيعة. دهنتُ بطلَعها الأصفر خدّيك، انتزعتُ تويجاتها، شاقّاً أطرافها اللزجة، لألصقها كالأقراط الديريّة إلى أذنيك اللتين انسدّت ثقوبُ أقراطهما. كنتُ أستغرب جلَدك، وإصرارك على تعقيم عينك بقطراتٍ من الليمون. كنتُ أقشعرّ حين أنقّطها بين جفنيك، حتى تسيل داخل أنفك، وتكوي جيوبه، ثم تدورين بالثمرة تعصرينها فوق كأسي وكأسك، فيتورّد شراب الختمية الشفاف، قطرة ليمون بعد قطرة:

    -هيرو! هذه زهورات مام جلال، تتلوّن مثله!

 وبما تبقّى من اللبّ الحامض تفركين يديك وتشمّينهما:

    -أزكى من فوح الكهرمان في مسبحتي عند فركها. شمّ!

 ثم تمسحين بماء الليمون شعري ووجهك.

أخذتُ عن العتّال صورو مداواةَ سماط فخذيّ بالتراب، الضارب إلى الحمرة، الأشبه بالحناء أو الزعتر. لكنه نادرٌ هنا. استعضتُ عنه بالطحالب والأشنيّات، وإذْ أكشطها عن وجوه الصخور تتراءى لي البقع النحاسية في ابتسامة سالار، الخجول المتمتم، يفسّر صدأ أسنانه للسائلين:

    -السبب؟ عوز الفلور في ماء القرية…

مكرّراً تفسير طبيب الأسنان في المستوصف، كما يكرّر بالخجل نفسه أمام الموظّفين البدو، أو أمام المعلّمين والمعلّمات الآتين من الساحل وحمص، وهم يطلبون منه دائماً أنْ يرفع صوته، ويردّد لهم معنى اسمه بالعربية: «القائد». أفتّتُ الأشنيات اليابسة بأصابعي، حتى تصير في كفّي كالدقّة الممزوجة بالكمّون والسمّاق، فأودّ لو ألعقها، ثم أفرك بالمسحوق احمرارَ جلدي الذي يقعدني أحياناً عن المشي، أنا كاره الجلوس. صدأ حارقٌ بين فخذيّ، أتخيّلني أكتب فوق هذا الاحمرار، كما كنتُ أخطّ نوع الحنطة على أكياس الحبوب، متنشّقاً رائحة الخيش المدهون بزيت القنّب الهنديّ، ومتلذّذاً بالكتابة فوقه، وقلم «الشنيار» في يدي. كنتُ أتجنّب هذا التعبير الأخير، المخجل «قلم الشنيار». أفتقد الكتابة بإصبع طباشير على السطوح الصدئة. متعة لن تعود. كنتُ أختلس كتابة الحرف الأول من اسمي بإصبعي، على أيّ سطح طريّ- سطل لبن فيه مذاقُ شعر الماعز المحروق، أو طين لم يجفّ على الجدران، أو صبّة إسمنت في آخر تمليسها… أو كنت أحفر الحرف بمفتاح على كلّ ما يصدأ، من بقع الطلاء المتقشر في باب بيتنا، وبوابة كراج الجرّار المصبوغة بصباغ يسمّونه «أحمر التأسيس»، إلى باب قنّ الدجاج ومؤخّرات الحصّادات، وحتّى المزاريب وخزانات المازوت.

كتبتُ الكثير على الوجوه الخلفية للأوراق المطبوعة، خاشياً من يتّهمني بالتقتير. لملمتُ الورق المقوّى من أكياس القمصان الجديدة، بطاقات الأعراس المرسلة إلى «العائلة المحترمة»، المغلّفات، أوراق انتخابات البلدية التي رشّح فيها أبي نفسه عن «الحزب» وخسر. كان هناك خطأ في الطباعة استفزّه كثيراً، وغيّر اسمه من «حامد» إلى «حمد»:

    -كيف يتحدثون عن بناء الوطن، وهم يرتكبون هذه الأخطاء التافهة!

لملمتُ الكثير من أوراق تُرمى عادة. كتبتُ فيها مسوَّدات رسائل طويلة إلى الممثّلات. انتظرتُ ردودهنّ أحياناً، رغم أني لم أرسلها. تبتُ «التوبة النصوح» حين أرسلتُ إحداها، واحدة فقط لا غير. ما تبقّى كله رسائل إلى نفسي. كلمات تلك الرسالة اليتيمة لم تبارح رأسي ساعاتٍ وأياماً؛ راحت تتردّد وترتسم أشباحاً تتلاسن داخل جسدي، ضدّي ومعي، فتصحّحني وتتوعّدني، أو تمتدحني وتشدّ على يدي، مثل وجه واحد ضخم، ذي نظرتين في آنٍ معاً: إحداهما تؤنّبني، والأخرى تُشيد بي. لم أستطع الاهتداء إلى الكلمة الفَصْل، أو الكلمة الأخيرة. توحّش ندمي، حتى تمنيتُ حريقاً في مؤسسات البرق والهاتف كلّها، لكيلا تصل تلك الرسالة أبداً. كنتُ قد خصصت لها، في ذلك الصيف البعيد، أياماً بأكملها. تُهتُ بين مسوّداتها لفرط التنقيح. لفرط ما راجعتُها أوشكتُ أحفظها عن ظهر قلب. خيّطت المغلّف بيدي. طرّزت أطرافه كفساتين النوروز بخيطان قزحية الألوان، بدلاً من تلك المعينات المتناوبة بالأزرق والأحمر على حافات المغلّفات. ولما شرعتُ بالكتابة بدأت الدوامات تتقاذف عقلي، من متعة اللحظة، وانتشائي بنفسي، إلى اشمئزازي مما كتبت، حتى تشوّش كلّ شيء، فلم يعُدْ هناك حدّ، ولا منطق، ولا معنى، ولا بداية، ولا نهاية. كان عليّ- أنا العاجز عن تحديد الخيارات، بعدما باتت كلّ كلمة لغماً من المعاني، وقد تُفسَّر بألف طريقة- كان عليّ أن أدرك إنّ الحسم الوحيد هو تمزيق الرسالة أو إحراقها، نسيانها إلى الأبد. فليُرِحني النسيان، فليرْخِني النسيان. هيهات. ربما ضغطت رأسَ القلم زيادة عن اللزوم، فانطبعت أشباح كلمات محذوفة على ورقة المبيّضة تحتها، واصطيادها سهل عند إمالتها في النور. يستفزني السهو، لأني لم أتعلّم كيف أغفر لنفسي. كأنّ كلّ زلّةٍ وصمةٌ في أرشيف لا أدري مَن يكدّس ملفاته ضدّي. لا أدري متى سيشهّر الوضعاء بي. أردتُ رسالتي فوق كلّ عيب، لا يشوبها أيّ خطأ مهما ضؤل، فأتفه الهفوات كأعند الشوائب تلتصق بالذاكرة، لا تبارحها حتى لو غُفِرت، حتى لو تلطّف بنا مرور الزمن، وزيّن لنا أخطاءَ حاضرنا لتمتدّ البسمات في المستقبل. فمن ذا الذي سيقتصّ مني إذا أخطأتُ في حرف، أو حركة أو فاصلة، أو شطبت كلمة؟ كم تمريناً أعددتُ لكيلا تحتوي رسالتي خطأ واحداً، ولا حتى حرفاً واحداً مشطوباً، يستحيل استدراكه بعد الإرسال؟ عينُ مَن قرأت تلك الكلمات معي؟ أيّ عين ستقرأها في غيابي فتتشفّى بي، وتهزأ بتكلّفي، وتنعتني بالمتذاكي؟  فيمَ التفنّن في جمال الخطّ، ولماذا تباهيتُ بالتأني؟ بغتةً ناجيتُني:

    -آه يا غروري، ما أشدّ بؤسك!

ذاك مآل عذابي: لن تسارع الممثلة متلهّفة لتقبِّل رسالتي، ثم تفتحها بأصابع مرتجفة وقلب مرتجف، بل سترميها بضجرٍ عاديّ إلى فرّامة الورق، دون فتحها، فتنطحن كلماتي بين تلك الأسنان الفولاذية كشِراك الثعالب، وتنتهي إلى القمامة مع رسائل غيري، خفيفة كالبوشار أو نثار الفلين. تخيّلت، بعد كل هذا العناء، ورودَ اسمي بالخطأ في الردود السريعة من بريد القراء، أو بين طلّاب أغنية لعمرو دياب على «ما يطلبه الجمهور».

عرفتُ بيوتاً لم يكن فيها غير قلم واحد بجانب الهاتف. الناس يجهلون كيف يكتبون. ربما يخافون الكتابة كالشعوذات، أو كالشبهات والممنوعات. إذا ما اضطروا، وحاولوا أنْ يكتبوا شيئاً، أتاهم الإلهام كلاماً جاهزاً، يملأ صدورهم بالزهو والرضا فلا يفهمون برودَ الآخرين. لا يدركون كيف يرى الآخرون الوضوحَ الشديد غموضاً. قد يتداركون فشلهم، ويشقّون محاولاتهم نتفاً، بل حتى يحرقونها ليدفنوا في الرماد خزيَ أخطائهم وركاكتهم. ضماناً للردّ، كنتُ قد فكرتُ بمراسلةِ نجمة من «الطبقة الكادحة»، صعدتْ فجأة سلّم النجوم. كنتُ واثقاً من أنها ستميّز سماكة خطّ قلم «الريم»، ستميّزه عن رشاقة الفرنساوي الأزرق، ذي الرأس الناعم، والخط الرفيع كالحاجب المزجّج، مغتبطاً بأن أتخيّل بياض كمّها يتلطّخ بمشحة حبر نفثها قلم «الريم»، في نقطةٍ ما آخر سطرٍ ما.

كتبتُ بالحبر الناشف، تحسّباً لأيّ بلل محتمل، من قبيل كوب شاي يندلق على أدراج المكاتب في البريد، أو وابل مطر صيفي يبلّل جُعَب السعاة، المعلقةَ خلف درّاجاتهم كخُرْج حمار. تردّدتُ أمام النعوت، مبغضاً إسرافي في التهذيب، مترنّحاً على الشعرة الممدودة بين التذلُّل والتكبُّر، بين الصدق والتنميق. احترتُ هل أبدأ معرّفاً بنفسي، ومَنِ الأولى بتقديم الاسم في المخاطبة أنا أم هي، ثم متى ستصل الرسالة، وفي أيّ وقت سوف تُقرأ، هذا إذا وصلت وإذا قُرئت، متذبذباً بين «صباح الخير» و«مساء النور»، أو «تحية عطرة وبعد»، أو «الأخت الفاضلة»، أو «الآنسة الموقّرة»، أو «سيدتي الكريمة» في البداية، فأخاف جفافَ تحيّتي، كما يقلقني جفافُ الردود، واحتمالات تأخّرها، وشدّة ترقّبها على نكرة مثلي لا يُبالى بالردّ عليه، تستفزّ غيره ميوعةُ كلماته، أو ربما وقاحتها، إذ لا صبرَ لواحد مثلي ما فاضَ على قحط سنواته إلا الانتظار. كانت خشيتي أنّ الضعافَ والمهزوزين وحدهم يكتبون أجمل الرسائل. كنتُ أهزّ رأسي بيأس المتفائلين، الظانّين أن مخاوف السخرية شائعة، لا تداويها إلا الشيخوخة، ثم أحذف «عزيزتي»، لأنها تطاول أو مجاملة، أو حتى شتيمة إذا كانت الممثلة من جبل العرب. الأكيد أنّ الفنانات يتلقّين دوماً رسائل نابية من المعجبين. ثقبتُ ياء الملكية برأس القلم، وشطبتُ «أمّا بعد»، لأني لستُ الرسول مكاتباً المقوقس عظيم القبط، وصولاً إلى «مودتي» في الختام، أو «محبتي»، أو «تفضّلوا بقبول فائق الاحترام»، أو «تفضّلن بقبول فائق الاحترام»، أو جلافة «وشكراً» الناشفة كالخبز اليابس، محاذراً أنْ تلتصق بي «أطيب الأمنيات» وتصير لقبي، إذا فُتِح المغلف وقُرئ ما فيه، فأنادَى به في الشوارع؛ ما بين البدء والختام سهامٌ بالأحمر، تشطيبات وإشارات ضرب مدوّخة، وأنا جاهل إلى متى سأحتار ماذا سأختار، وكيف سأختتم، وهل يحقّ لي إمضاء الرسالة. أين سأضع المكان والتاريخ، يساراً أم يميناً؟ في أعلى الصفحة، أم أسفلها؟ وهكذا إلى أنْ رفعتُ رأسي عن الأوراق، وقد زاغت عيناي، وغشت الظلالُ ما حولي، فرأيتني جالساً إلى جحش الكوي أكتب، أمامي النافذة الواسعة المغطاة بالمنخل. باغتتني كلماتي، تروقني كأن مَن كتبها سواي، فكدتُ أحضن الجحش، ضاحكاً كلاعب جمباز تزحلق في قفزته على الحصان الخشبي. قرب يدي بخّاخ المكواة، مثل مسدّس مائي ملقَّم بمبيد سائل من أجل ورودك المريضة التي قضم المنّ أوراقها الخضراء، وثقّبها كالغربال. فكّرتُ مراراً بتربية «أسد المنّ» من أجلها.

أحياناً أخرى، كنتُ أجلس إلى آلة الخياطة التي لا تعرفين كيف تستخدمينها. كانت تسدّ بابَ الصالون الشماليَّ، المغطّى بالنايلون في الشتاء، ومن تحته يتسرّب هواء كالشفرة لاسع البرودة. إذا طُويت الآلة في صندوقها الخشبي صارت طاولتي، بسطحها البني، المزيّن بفراشة ذهبية من الصين، كنتُ أخيط رسالتي بين جناحيها، منكبّاً على كلماتي خلسة، ساعةَ قيلولتكم، ونومكم يطلق عباراتي في رحاب الكون. فإذا دُوهمتُ سارعتُ إلى مضغ الورقة كالجدي، أو رميها في خزانة الحائط، المتوارية وراء اللحف والمخدات المصفوفة كالجدار، لاهياً بالصعود ومعانقاً قمته، للاستلقاء هناك. كنتُ أحياناً أختبئ في تلك الخزانة، وراء ذاك الجدار الوثير، فأعثر هناك على كرتي المنسية، الرقيقة المنفوخة بالفم، المقلّمة بخطوط عريضة لقوس قزح كحزوز البطيخ. كنتُ أعدّ بها على ركبتي وقدميّ حتى المئتين، وأنا أجوب الغرف وحدي. كنتُ أجلس داخل تلك الخزانة الضيقة العالية، الظلّ الرحيم يكتنفني، كرتي في حضني، ذابلةٌ ذبولَ البالونات المنسية في زينة رأس السنة بعد أيام من انتهاء السهرة، فيتناهى إليّ، عبر الجدار الذي يرقّ في خزانات الطين، غناءُ جارنا حارس الحاووز. كان صوته يلعلع في الحمّام:

    -Kîme Ez؟ Kîme Ez؟

 فأجيبه زاعقاً:

    -أنا العشب المرّ في باحة البيت.

 وأتحدّاه من هناك، والجدار بيننا، ليردّد معي نشيدنا الوطني الذي لا وطن له:

    -تقدّموا… تقدّموا! الكرد لا يموتون، الكرد ينبتون…

 فيفحمني تعليقك:

    -صحيح، صحيح. الكرد ينبتون، ويخضرّون، ويزرقّون، ويأتي الماعز ويأكلهم عن جنبات الطريق.

هناك أناسٌ، في كل أصقاع الأرض، يخشون أنْ تضيع رسالتهم المنتظرة، المسجّلة باسمهم، فيما هم سُدى ينهرون اهتزاز سيقانهم، في وحشتهم وأرقهم، متحرّقين أملاً لتقبض أصابعهم على الورقة المشتهاة كالطير البرّي، ثم تختفي المنتظَرة بانقلاب سيارة البريد، أو تمزّق كيس الرسائل، وطيران أوراقها مع أكياس القمامة داخل زوبعة، أو بتسليم الرسالة لشخص آخر في سهوةٍ من ساعي البريد، هذا الأسعد من سعاد حسني على درّاجة هوائية، أو تُرمى مع ما تطفح به صناديق الناس، ولا يُنْتبه إليها بين دعايات البيتزا، والمكاتب العقارية، والمتاجر العملاقة، وبطاقات المشعوذين، والأطباء الشعبيين، وورشات الصحية… أحياناً، ثمن الهفوة حياة بأكملها. هفوة واحدة تكفي ليكتمل نحسُ البعض بفقدان أهمّ رسالة في حياتهم، كانت ستقلب مجرى أيامهم بالكامل، وتحقن رؤوسهم بوهم البدء من جديد، فيتفّهون أنفسهم على استهتارهم، ويشتمون أنفسهم بلا هوادة ولا شفقة، في السرّ والعلانية، ليلاً نهاراً. أنا واحدٌ من هؤلاء. الذنب ذنبي، ولن أنال أيّ صفح من أحد. في الصمت الناريّ لوحدتي، استعددتُ للملاحقات، لأن رسالتي الضائعة ظلّتْ عالقة على الطريق كالمخطوفة بأيدي مجهولين، فلم تعُدْ إليّ ولم تصلْ إلى مقصدها. انتهتْ مهلة الردّ وفق بنود قوانين لن أعرفها أبداً. انتهت المهلةُ الممنوحة للغرباء، المكشوفين أمثالي، للبقاء على هذه الأرض، حتى أتى مَن أتى ليطردني إلى هذه الجبال، إلى عراء النسيان، إلى عزاء النسيان.

اختزلتُ رسائلي كثيراً. أعددتُ لها مسوّدات نقّحتها، ونمّقتُها مائة مرة، حتى قضيتُ على آخر ذرّة صدق فيها وكرهتُها، ثم أعدتُ كتابتها، حريصاً ألا تميل سطوري في النسخة الأخيرة، كأنّها خيوطُ مطر أزاحها قلقُ أنفاسي. لهذا سطّرتُ بياض الورقة بالمسطرة وبقلم رصاص، ثم محوتُ السطور، على أقلّ من مهلي لكيلا تجعّد الممحاةُ الورقة. المحو أخيراً، بعد الانتهاء من التدوين بمزيج من الخطّ الفارسي والخطّ الفنّي الحديث، لأن الرقعة والنسخ مبتذَلان. أخيراً، تجرأت على إرسال الرسالة اليتيمة إلى إحداهنّ:

    دمشق

    الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون

    تصل ليد الفنانة مرح جبر

    مع الشكر لساعي البريد

حرّكتُها بقوّة كمروحة الشواء، لأذبّ عنها بقايا روائحي، ثم حسمتُ أمري وأرسلتها. وبعد بضع دقائق، انتبهتُ إلى تلوّثها بطيش اللحظة الأخيرة. السبب حماستي اللعينة، وابتهاجي بأنني انتهيتُ فعلاً. كنتُ قد كتبت العنوان بخطّ عريض أسود، وكأنّ ساعي البريد مكفوف. لم أكتب عنواني، لأن تحديده يحيّرني، ولا أثق بأي بديل كالكوّاء أو السمّان، واسم شارعنا «سليمان الحلبي»، المكتوب بحروف بيضاء على صفيحة زرقاء كاللافتات في باريس، اختفى عن الناصية بعد تطيين جارنا جدرانَ بيته الخريفَ الفائت. لو رأت الممثلة اسمي الكردي، أو اسم بلدتي، على المغلف لرمته من باب الحيطة، أو باب الملل. ولهذا لم أوقّع كلماتي باسمي، كما أنّي لا أملك صندوقاً للرسائل لأتفقّده بنار الشوق صباح مساء، واقفاً بمفتاحي أمام حائط الصناديق، الموزّعة في مدخل البريد كتنكات فارغة في أبراج الحمام. آه، لو كنتُ قد كتبتُ العنوان، فلربما أخطأ الساعي، وردّ رسالتي إليّ، لأقرأها بعد أسابيع، وأحرقها فور استلامها، شاكراً ربي لأنها لم تصلْ أبداً. ظللتُ مسكوناً باللطخات السوداء لقلم التخطيط فوق كلمات رسالتي، متفشية من الوجه الخلفي للمغلف الذي صمّغته بلساني، وأغلقته قبل أن أكتب العنوان، رغم تأكّدي من صحّته مراراً وقلبي يخفق، متوجساً من أنّ تدقيقي المغالى فيه سيوقعني في الخطأ لا محالة، وهذا ما كان. فليكن، قلتُ لنفسي. فليكن خطئي كالخطوة الأولى تشقّ بالشؤم نصاعةَ ثلجٍ ما داسه أحد، مثل ميت وُوري قبره، وعلى كفنه لطخةٌ بنفسجية من أختام شهادة الدفن.

لا أقول هذا لأن كلماتي مصيرها النفايات أو النسيان، فهذا محتَّم، لكني كنت أخاف الورق الأبيض. كانت يدي تبرد حين تطول الملامسات بيننا. الورق الأبيض بشعٌ ومُعْمٍ كالنيون. ضجيجه، عند النفض والطيّ، كطقطقة التنك. كنتُ إذا جرحتْ حافتُه إصبعي مصصتُ دمي خلسة، لأنك تنهرينني عن هذا التصرّف المشؤوم:

    -توقّفْ! لا تكُنْ عدوَّ نفسك!

القتل هيّن دائماً. يستطيع المجرمون بحافة ورقة مشدودة أنْ يمزّقوا أوداج النائمين، في حركة خاطفة كنصل الخنجر.

أضحك الآن وأنا وحدي، متذكّراً استلقائي في حضنك، على سريرنا الصيفي الأخضر. كنتُ خائفاً قليلاً، أتوهّم العقارب غاضبة، تتزحلق على علب الدهان الفارغة التي وضعنا القوائم فيها لنمنع صعودها إلى فراشنا. كنتِ تفكّين الـ«شوحي»، حزامَ خصرك، الملوّن كشجر الشوح المزيّن بالنذور قرب المزارات، ثم تمدّينه بين سرّتك وسرّتي كشريط هاتف ممدود بين علبتي كبريت فارغتين، لينتقل صوتُ روحي إلى كبدك، فتدوّي قرقرات جوعي في التواءات أمعائك، قبل أنْ تدغدغي بطني بنعومة الكرات القماشية المنفوشة التي ينتهي بها طرفُ حزامك. كنتُ المستقبل العائم في ليل رحمك تسعة شهور. أعلم أنّ بطنك يوجعك إذا تألمتُ وأنا بعيد.

كنتُ أستلقي في حضنك، تحت شبكة الناموسية، ترقّعينها من الداخل بالخيط الأبيض ذاته الذي تخيطين به اللحف، وكنتُ أنا من يبلّه، ويمرّره لك في عين الإبرة، وأحياناً كنتُ أخيط بما تبقّى منه اسمَ صدّام حسين في الجلد السميك لباطن قدمي لأدوسَه جيداً، أو أخيّط للعجوز عبوكِه صندلها البلاستيك المشقوق من الخلف. كان اللحاف، العاري من غطائه، مقطَّعاً إلى مضلَّعات مثل قطعة بسكويت ضخمة، أو مثل قطعة من رغيف خبز عملاق طبع عمّال الأفران في عجينه بصماتِ أصابعهم، وهم يرقصون مستمعين إلى أغنيات لايِه رمّو وصلاح رسول، ويشربون الشاي الحارق ليبرّدهم أمام وهج النار. ألهذا يُقال إن المسرنم إذا جاع أكلَ لحافه، ومَنْ يحنّ يمشِ في نومه؟

كنتِ تنكشين بالإبرة أذنك، فأسمع الفولاذ يحتكّ بالجلد والعظم: «خْشت، خْشت…» وأخشى أن يتمزّق غشاء طبلك فيما أنت ساهية، تمرّرين طرف ذؤابتك بين شفتيك، تنزمّ عينك ويرفّ جفنها قليلاً، كأنك تتذكّرين شيئاً لن تفشيه أبداً، لأنك تنسينه على الفور، مفلتاً منك دائماً حين تُسْألين:

    -بمَ شردتِ؟

لولا ذؤابتك لما سمعتُ الريحَ، الآن، بين هذه الأوراق الخضراء، الغامقة. لولا ذؤابتك لما علّمني رِفاقي، هنا، كيف يستطيع العميان تمييز أنواع الأشجار من أصوات حفيفها. لست بحاجة إلى إغماض عيني لأتعلم فروق الحفيف في هذه الجبال. أعلمُ أنّ الموسيقى تُرى بعينين مفتوحتين. مثلاً، البندق هي الشجرة الأصل في بستان الحقيقة لأنها شجرة الكذب- خشخشةُ أوراقها هي نهنهة الباكيات التي بحّت أصواتهنّ، حزناً على فراق أحبّتهنّ. خطواتُ هذه الشجرة وئيدة، بندقة تلو أخرى، عبر آلاف السنين، انتقلت من جنوب الأناضول إلى أقصى شمال الأرض. كانت ثمارها تتفتّق بغتة، فتتطاير حبّاتها في انفجارات صغيرة مسموعة، مثل الشجيرة التي كنتِ تسمّينها «كردستان» في أرض الدار، ذات الزهور الشبيهة بالشوارب. كانت قرون ثمارها تتفجّر وتجفلك. البندق ثمرة البطران الذي يرى بظراً في الثمرة الصغيرة، المحفوفة بالأوراق، الواهم أنّه يعيش في الجنّة، غافلاً عن طرده الوشيك. إذا ركلتُ حبّاته كالكرات، هنا، فلا أحد ينهرني لأنني أركل النعمة، أركل بهجة رأس السنة، أمام بساط الاحتفال الصغير، الممدود أمامنا وحدنا أنا وأنت، حين كنتُ أسبقك إلى القول إزاء الحبّات الفارغة:

    -العقل الخفيف عبء ثقيل.

فأرى في حبة الجوز بين يديّ أجملَ أحجية، نصفَي دماغ كفقيهين في جدالٍ لا نستطيع سماعه، جالسين داخل قصر. كنتُ أقاوم سطوة النوم. شفتاي قد ملّحتهما بذور البطيخ التي كنت تجفّفينها وتقلينها بالرمل، وأنا، ناعساً، أتابع لك سحبَ اليانصيب في سهرة التلفزيون. كان ضجراً حنوناً، أكوّم فيه على ركبتي لبابَ البذور، واحدةً بعد أخرى، لألتهمها دفعةً واحدة، فتقولين:

    -كفاك تكويماً مثل الخلد الأعمى! تابعِ السحب!

كنت تأملين خيراً إذا تعثّر دولاب وتوقّف، فلا يظهر أيّ رقم في بياض عينه. كنا نصلّي ليد الطفل الذي يعود من الكواليس لتدويره. كان لفظ «السحْب» يُحشرِج صوتي، أكثر من جبنة كيري، أو دودة القزّ. قبل «محطات رياضية»، برنامج عدنان بوظو، الأسمر، خلافاً لكنيته الكردية، كنا نجلس وحدنا، في ساعات المساء الثقيلة أيام الثلاثاء، أمام تلفزيون سيرونيكس بالأبيض والأسود، بطيء الإقلاع، مثلوم المفاتيح، وأنا أطابق أرقام بطاقتك، أو بالأحرى أنصاف بطاقاتك، مع دواليب الحظّ. بفضلها تعلّمتِ الأعداد. لا أزال أعاني عند تدقيق أيّ رقم أو نقله، لا أجد بدّاً من مراجعته مراراً للتأكّد من الصواب. كنتِ تجلسينني على ركبتيك، فأقرئك راحتيَّ، وتقولين:

    -هذه الخطوط ليست سككاً شقّها القدر. راحتاك مرآتان. هذان الرقمان فيهما 18 و81، مجموعهما أسماء الله الحسنى، وطرحهما عمر الرسول.

 ثم أزيح صحن الموالح، وأنهض لأنزع الشاشة الواقية الزرقاء، فتنجذب أشعار ساعدي إلى شاشة التلفزيون كالمغناطيس، وتفرقع كأنني اعتصرتُ قشرة برتقال فوق شمعة. لكنّ الشاشة المطفأة لا تبرحها أطياف المذيعة، والأطفال الصامتين الذين يديرون «عجلات القدر»، فنراهم يتحرّكون كأن العرض لا يزال مستمرّاً، رغم أنك قد قرّرتِ إنهاءه، وأنت تلعنين حظّك لأنك مرة أخرى لم تربحي شيئاً، سامعةً رئيس لجنة المراقبين المتوارين، يعلن على الهواء أنّ البطاقة الفائزة مُباعة في جبلة، أو القرداحة:

    -اجلبْ جريدة «تشرين» مساء غد، وتأكّد مرة أخرى. ربما سهوتَ عن بعض الأرقام وأنت نعسان. كانت الحكّة هذا الصباح في يدي اليسرى. لم نقبضْ شيئاً. خاب ظني. «يا دواليب الحظّ دُوري»! خسارتي سببها صوتُ صالة نصري!

كنتِ تقولين «آخ، آخ صالة!» وأنتِ تنهضين لتضعي طرف فستانك في فمك، صانعة كالكنغر جيباً مليئاً بقشور الثمار والبذور، القشور التي تفوح حين تيبّسها الشمس، ثم أسمع خشخشة القواقع الخفيفة للمكسّرات، في صقيع الباحة المعتمة، تتساقط من حضنك في فم التنّور. غداً، مرة أخرى، سيكون لخبزنا طعم الرماد.

لم أكن ممّن يسمون الباذنجان بندورة سوداء، ولا بيض الجان أو بيضة الحمار، لكنّي لا أزال أستصعب التمييز الفوري بين الخوخ والدرّاق، وبين الكمثرى والأجاص، وبين البلوط والكستناء. يربكني التمييز بينها، كقواعد العدد والمعدود في التذكير والتأنيث. لا بد لي أن أتخيّل الثمرتين، وأقارن شكليهما أولاً، ربما لأنني تعلمت أسماءها بالمقلوب، وتأخرتُ كثيراً عن تصويبها. حين ألملم البندق، أو أقطفه (ربما حين أقطف أي ثمرة، عن أي غصن، في أي مكان)، أتوقّع حارساً ما يظهر على هذه السفوح التي لا أسيجة فيها، كأنني قد تسللتُ إلى حديقة في منزل مهجور لأسرق الفاكهة، فيصيح: «لصّ! لصّ!»، فأكاد أقول «قربانكِ أنا يا قدمي، اركضي!» وأبدأ الجري. لسرقة البساتين أصولها، فالشريط الممزّق المربوط إلى ثمرة البذار علامة، معناها أنّ تلك الحبة الضخمة لا يجوز المساس بها. الانتهاك لعنة محققة، فمَن يعضّ ثمرةً مسروقة تتبخّر ذكرياته كلّها في تلك اللحظة. أحدّق الآن بيدي اليسرى. كنتِ تمسكينها وتفردين أصابعها، واحدة بعد الأخرى:

    تقول البنصر: «أخواتي- فلنذهب إلى السرقة!»

    تجيب الخنصر: «هيّا!»

    تؤازرها الوسطى: «هيّا، هيّا!»

    تعلو السبّابة: «وأنا الشاهدة!»

    تتحسّر الإبهام: «وأنا العجوز قصيرة لا أطال ما تطالون!»

قلّما مصصتُ إبهامي، وإذا شردتُ وفعلتُ، انتزعتهِ من فمي:

    -يا صوفي بيت الشيخ! جدُّنا إبراهيم بطل القرآن. كان رضيعاً لمّا تركته أمه، وحيداً في مغارة أخفاها الله بصخرة. ما أدركتْ أنّ مهد ابنها ثلمٌ في ناب ثعبان. وحين عادت وجدته قد شبّ، ولكنه لا يزال يمصّ أصابعه. أطعمه الله، فأنبع له الماء والسمن من راحتيه، جعل له في إبهام يمناه عسلاً، وفي إبهام يسراه لبناً، أو ربما العكس؟ نسيت. انظرْ.

ورفعتِ إبهامي أمامي. بحلقتُ حتى احولّت عيناي، وارتجفتْ يدي كأني سأبصم بالدم على حائطِ مزار أبيض. كنت، إذا بصمتُ، أخشى ظهور اسم مَن أحبّ في تعاريج بصمتي، خائفاً من افتضاح حبي قبل عثوري عليه، بل حتى قبل أن أعرفه، لأن الله أخفى في شعابِ البصمات اسمَ المحبوب الحقيقي لكلّ إنسان، ولا أحد يعلم متى يتجلّى.

أريتني في ظفر إبهامي شمساً بيضاء صغيرة، تشرق من عظامي ولا يكتمل شروقها، لم تلبث أنْ تحولتْ إلى تلة بعيدة غطاها الثلج. أنا ابن التلال، منها انحدرتُ، وإليها سأرفَع. في عينيّ، كلُّ تلة معشوشبة شامةٌ نافرة مُشعرة، كلٌّ منهما تذكّرني بالأخرى. الجبال هي الجمال الخطر الذي لا يُنال. إنها تذهلني وتحبطني. لم آلفها. لن آلفها مهما جُبتها وتسلّقتها. روحي تمشّط أشجارها، بقاعها القرعاء كالثعلبة في رأسي التي كنتِ تفركينها بحبة ثوم، كرأس من غفا وعلكة الغزلان في فمه، فالتصقت بشعره، حتى أتت الريح القارسة وقصّتها بشفرتها. خلف إصبعي الآن، يتهادى ما تبقّى من غمام الصبح، في الفرجة بين جبلين مشجّرين بالكستناء والشوح، مدغدغاً بفرائه أشفارَ الأرض. وادٍ أزرقُ الهواء، نديٌّ كلّ ما فيه، مقوَّسٌ كفلك نوح في هبوطه من قمة جودي، كأنّ حمامة زرقاء فرّت من أغنية عرس، شقّت بصدرها هذا الفراغ الحنون حين حطّت على التراب.

أكاد أسمع حمامة تهدل. كأنّ هناك انسداداً طفيفاً في أذني. أظنّ أنني عشت حياتي كلها مسدود الأذنين. ربما كلّ ما سمعته لم أسمعه جيداً، وحلّ مكانه صوتٌ آخر داخل رأسي. كنتُ وحدي، مستلقياً على جانبي وسط غرفة الجلوس، بعدما رطّبتُ الأرضية الترابية بماء قليل من إبريق الوضوء. كانت أصابع يدي اليسرى تتراقص، عازفةً على منقار الإبريق، لترشّ الماء كالمرذّات على التراب.  كنتُ قد ابتعدتُ عن السخونة المنبعثة من بساط اللبّاد الطويل. تركتُ مروحة توشيبا الصغيرة تدور تحت خريطة العالم، الملصقة بجانب الباب، تبريداً لهواء الغرفة، وضعتُ أمام شفراتِ المروحة خمارك الكتّان القديم بعد تبليله. تكهربتُ بهذا البلل، أكثر من مرة، لكنّ الموت أفلت قبضته عني (رقصة التكهرب هذه هي ما أراه حين أقرأ «الرعشة»). مسنداً رأسي إلى يدي، كنتُ أحدّق بالأنابيب التي تخفي أسلاك التمديدات الكهربائية، وأنا أفكّر بحيلة ناجعة لإخفائها في تراب الجدار. وددتُ التخلّص من استفزازها الدائم لعينيّ، فتتحوّل أمامي إلى ناياتٍ طويلة من البلاستيك، شنيعة الأصوات، فيما أذني اليمنى كقمع تعبئة المازوت مفتوحةٌ أسفل خنافس الكالوسما. كنّا ندعوها «حشرات الخيار». كانت تتزاحم على النيون، المثبّت إلى عارضة السقف، فأخشى أنْ تحطّمه حين تضربه بدروعها. كانت في تلك الآونة قد غزتِ البيوت، فتتجمّع تحت مصابيح الشوارع، مثل بساط أسود برّاق سرعان ما يعاود التئامه حين تمزّقه دراجة عابرة، راكبها يرفع قدميه عالياً كأنه يخوض بركة موحلة. لحظتئذ، تهبّ الخنافس وتفوح من غمامتها رائحة حادّة كريهة، أنتن من هبوب رائحة المجاري. لحسن حظّنا لم تكن تزعق، ولا تهاجم الأطفال الملثّمين حين يدوسونها. استفقتُ من شرودي حين سقطتْ واحدة منها في أذني. خشيتُ الصمم على الفور. خشيتُ وصولها إلى مخّي، كالبعوضة في قصة لقمان الحكيم، وانحباسها هناك، بكلّ طنينها، في تلافيفي، أو خروجها من أنفي. حين هُرعتُ إليكِ، وأنتِ تقطّعين الجبنة البيضاء والبندورة لعشائنا، قلتِ:

    -شيرو، يا أسد الوهاد الخالية، كفّ عن هزّ رأسك. ستصاب بارتجاج دماغ!

ثم أمرتِني:

    -بتهوڤن، استعدّ! سأشدّ أذنك الموسيقية. واحد، اثنان، ثلاثة- سنفونيّة!

وشددتِها كما لم تشدّيها قطّ في حياتي. كان صيوانها طرياً، فأطويه كلّه كالبرعم في نفق أذني، وأسكتُ به الأطفال المتذمّرين الأصغر مني. لا أزال قادراً على تحريكه مليمترين أو ثلاثة. لم تضحكني، في تلك الحادثة، الميم التي تقلبينها نوناً في «سمفونية». كان ضحكي يضحكك، فآتيك عادة بمثال آخر عن عائلة «مين». جميع أفرادها نِحاف قِصار، رؤوسهم نحاسية كعيدان الكبريت، يؤنّثون الرجال حين يقلبون الميم نوناً في أواخر الكلمات، ثم أقلّد لكِ مِن بينهم «المكّوك» الذي يرفع سبابته عادة، جازماً بأنّ أم كلثوم ما كانت لتسلطن هكذا لولا شمّ الكيف في عقدة منديلها، لأن مواجهة الجمهور صعبة، ثم يمرّ بسبابته على شاربه المحفوف كالخيط. كان يقول:

    -الكمان لله وحده. وجباتنا سريعة وصامتة كواجب عزاء الغرباء. الغناء ضرورة. اَسمِعونا شيئاً! فيروس أطيب على الفطور، عڤد الوهاب على الغداء، أنْ كلسون على العشاء، عڤد الدائن للتراويح وقِيان الليل.

وحين يلقي التحية: «السلان عليكن»، ترتفع قدمه لا إرادياً مع يده، مثل غمزة عين فاشلة ترتفع معها زاوية الفم.

سكبتِ زيت زيتون في أذني اليمنى التي لا أعلم مَن كبّر فيها حين ولدتُ، ثم حللتِ خمارَك، ومددتِ داخل أذني شعرةً من إحدى ذؤابتيك الرقيقتين، بالخفّة التي كنتِ تنزلين بها الدلو إلى البئر. اعتصمت الخنفساء السوداء بحبلك الأسود، وما لبثتْ أن انزلقتْ، وسقطت في الحفرة من جديد. تخيّلتُ أنني قد سمعتها تهوي إلى قعر أذني، وترتطم بغشاء الطبل. لكم حاولتُ أن أستعيد إيقاع أقدامها على ذاك الغشاء الرقيق، وهي تغرق وتحتضر داخل رأسي. حلمتُ بأنّ احتضارها سيلهمني لحناً يدفع سامعيه إلى سدّ آذانهم والصياح كالمجانين. انتهى حلمي عند رداءة الريشة التي كنت أعزف بها على الجُورة، حين لا أستخدم أصابعي وحدها. أسلوب «الخرفاني» للمعلّمين. مرّنت أصابعي أيضاً على آلات أتخيلها، ولا أوتارَ لها. كانت ريشتي أشبه بظفرٍ مقصوص من أطواق بلاستيك، يستخرجها الأولاد من ياقات القمصان الجديدة، ثم يحكّون بها أسلاكاً يثبّتونها إلى علبة دهان فارغة، أو علبة حلاوة فارغة، تحمل من الداخل شعار شركة «سادكوب» للمحروقات. كانوا يستهلّون المران بأسهل الأغاني عزفاًBûkê delalê  : «عروستنا الغالية، قُومي تجهّزي…»، أو «طنبور قلبي تقطّعت أوتاره». يعزفون حتى تدمى أصابعهم، وتتبقّع أحضانهم بالعرق، متنّهدين يكرعون الماء من إبريق فولاذي في قلبه قالبُ ثلج. أحياناً، كنتُ أرى أولئك الأولاد وحدهم، أيديهم تتحرّك في الهواء، ورؤوسهم تهتزّ كأنهم يتمرّنون على آلاتٍ لا أراها، ثم يطرّون حناجرهم بسكّر النبات، ويصدحون. كانت دوزنة تلك المعادن الصدئة مستحيلة. الصوت فظيع، كصرير مسمار على الزجاج.

أبقيتُ رأسي مائلاً نحو كتفي الأيمن، حتى فاض زيت الزيتون كالنبع. كان أول إناء طالته يدك في المطبخ طاسة ستانلس، كنتِ تناولينني فيها الميِّر، أو الخيارَ باللبن. كنتُ أنفر من الثوم المدقوق فلا تضيفينه، ولا أبالي إذا تفل الشيطان على أيّ شيء أبيض يرغب فيه ولا يناله. كل شيء مفتوح عرضةٌ لبصقة منه، إلا القرآن. أخفضتِ ذقني. أحنيتِ رأسي، وأملتِه. رأيتُ يديك، اللامعتين كأنهما مطليّتان بالفازلين، أو مغلَّفتان بالنايلون، تتشوّهان في لمعان الطاسة. رأيتُ، بطرف عيني، كيف تنقّط الدمُ القاني، وزيت الزيتون، والصملاخ، وذرات تبن، حتى طفتْ أخيراً الخنفساء الغريقة. اختلجتْ، في بضع حركات أخيرة، وهمدتْ إلى الأبد. نعم، إلى الأبد. نعم إلى الأبد. نعم إلى الأبد. نعم إلى الأبد.

نفختِ في أذني الجريحة، ثم أدرتِ مسجلة سانيو، رصاصية صغيرة في النافذة الجنوبية الواسعة، الأعمق من أعمق خزانة. أسمعتِني موّال «ضاقت بي الدنيا كإطار منخل». سمعته، وإحساسٌ بالغمّ يقبض صدري، كأنّ المواويل كلها مجلبة للنحس، فيما الناموسية البيضاء تتماوج في الخارج، شبكتها تغربل التراب فوق فرُشنا، وتلتقط صفرة البابونج وخضرة النعناع (حين تطيّرهما الريح عن البسط، بزواياها المثبتة بالأحجار، والمنشورة على الأسطحة).

طفل نائم تحت الناموسية، هذه هي جنّتك. بعدما نوّمني بكائي، وأنا مرصّع بلسعات البعوض، ربطتِ يديّ كالسجين إلى عمود السرير. كنتُ أحكّ جلدي حتى ينزف. فكّرتِ بمذاق دمك في فم بعوضة، وأنت تمسحين بُثُوري بالثلج:

    -غربلَتْك وعافَتني. بشرتك كورق السجائر. دمك ألذّ. دمي مُرّ. مرارة السنين تفوح من المسامّ.

كنتُ، أحياناً، أستيقظ بفمٍ موحل. وسادة الريش ملطّخة بلعابي، لأنني نمتُ بشفتين منفرجتين، وقد دسستِ لي بينهما ساقَ زهرة صغيرة. كنا أسماكاً في شبكة النوم. كان النوم والموت بائعين جوّالين، نشتري منهما التراب بالدين، بضع حبات من التراب تكفي الأطفال ليحكّوا عيونهم بظهور أيديهم، ورفوشٌ منه يُهيلها المشيّعون ليشبع ابن آدم أخيراً، حين يطعمون الأرض لقمةَ جسده الصغيرة.

أكلنا دائماً من جسد التي ستأكلنا. حككتِ شبكة النوم، بأظافرك التي قصصتُها لك بمقصّ الأزهار، وقلتِ:

     -أظفاري مطمورة في اللحم. بطيئة النموّ كأظافر الموتى.

كنتِ تقضمينها أحياناً. لا حسد في قضمك إياها، ولا غلّ. بالبقية الشئزة من ظفر سبابتك حككتِ الناموسية فوقي. سمعتُ فرقعاتٍ ناعمة كرشّ شمعة برذاذ زيت أحبُّ عبقه، كنتُ أعتصره من قشرة برتقال عند انقطاع الكهرباء. مستلقياً، لمحتُ ظفرك يحتكّ بالتُّوْل، خالقاً شراراتٍ خضراء مزرقّة، على خلفية كحلية من مخمل السماء، وفمك يخدّرني بهدوئه:

    -لا تتحرّك. السماء كالمرآة. سأصنع لك بروقاً أخرى. انتظرْ. ستلمس قطرةُ المطر الأولى رأس أنفك.

 بلّلتِ سبابتك بطرف لسانك، ولمستِ أرنبة أنفي، فأغمضتُ عيني.

(…)

———————————-

قطرة ليمون في العين

(2)

كنتُ أبني في الليل بيتاً كالجنّة يهدمه النهار. أستلقي بمفردي على سطحه. الأحبّ إليّ في الكون كوكبةُ الدب الأصغر، لا تُلحَظ إلا بلحظ العين. كنتُ أقتفي نجمةً تمشي وحدها، نورها نابضٌ كقلبي، حتى يمتزج هواء صدري بالهواء الكحليّ للمجرّات، فأغضب ممّن يذكّرني بخيبتي: «هذا قمر صناعي!».

بنيتُ بيتي من الطين الذي أعجنه بقدميّ، وأملّحه بعرقي، ويداي ترشّان فوقه تبنَ النجوم التي سرقها لصوصٌ من اصطبلات الآلهة، تساقطتْ من أكياسهم المثقوبة لترسم درب التبّانة. كان هزيمُ الرعد براميل فارغة تتدحرج في السموات، وأخشى سقوطها عليّ. كان دويُّ مسدّسات يعقب البروق. أليست هذه أنشودة المطر حين يلبّي الله صلواتِ الأطفال:

    Baranê dayê dayê

    teqreqa dimança ye

أحببتِ أنْ تفهمي كلماتهم هكذا: «المطر أمّي». كانوا يتشبثون بمخداتهم، حين يتوجّب الإسراع بنقل اللحف والفرش إلى الصالون، لأن العاصفة الرعدية تدنو في فجر آب، سحابٌ كالحبر يكشّر عن نيوب بروقه، زاحفاً من الشرق ليرشقهم بقطراتٍ كبيرة كحبات عنب أسود تهرسها العجلات.

كنتُ أقرف من الرذاذ الذي يتطاير من أيدي المتوضّئين، وهم يتمضمضون، ويستنشقون، ويستنثرون، ويتمخّطون، مشمئزاً من تبلُّل الأكمام، وأسافل الأثواب والسراويل. كنتِ تمسكين بحمّصة أنفي التي انتفختْ فيما بعد، حين نقَعتْها شهواتُ المراهقة بمائها، وتمشّطين غرّتي بأصابعك، وأنا أسمع قطّي يشحذ براثنه على سلّم السرير الصيفي. كنتِ تقولين إنّ صرير أخشابه كزقزقات «العاشق والمعشوق»، فأشتم في قلبي عصافيرَ النحس الخضراء تلك، وفي خيالي أطلق عليها النار، مثلما كنتُ أطلق نارَ خيالي على العصفور الذي أطلّ من الشباك وقال «يا نونو». كان للسلّم ثلاث درجات، صغيرات مزعزعات، يثبّته من الأعلى كلّابان معدنيان، معقوفان كخطاطيف العتّالين. بل لامعان كاليد الصناعية للمجرم الذي صلبه بروسْ ليْ، على بابٍ من مرآة، في قاعة المرايا.

كان قطّي يلعق قدمه ويغسل بلعابه وجهه، ليستقبل ضيفاً لم يزرنا أبداً، لأنه كان معنا دائماً، حاضراً بيننا كالهواء. كان يموء ويكاد يمزّق الناموسية بمخالبه. لم يكن يستطيع الدخول إلى قفص رحمتك، فتزجرينه. ما أرقَّ زجرك، بحركة خفيفة من ظاهر اليد، وأنا أشمّ في وبره رائحة الأقحوان، أو البابونج، أو عشب التفاح (لا أعلم أيّها الأصحّ). كان مسكب البابونج سرير قيلولته. كأنه يسمعك حين تقولين لي:

    -لفرط ما داعبتُك ستظهر على جبينك، ساعةَ المحنة الكبرى، ثلاثةُ خطوط كالجدائل الثلاث للمذراة.

قد يقرأ عسكريّ تركي آثار يدك هذه في التجاعيد بين حاجبيّ الغليظين، أنا المكشّر دائماً، فلا يفهمها قبل أن يسدّد الطلقة بينهما. لا أحد يستطيع أنْ يقرأ السرّ بين تلك السطور في الجباه.

كانت في جبهة قطّي خطوط طولية كجباه النمور، أو كالخدوش التي تركتها اليد الفولاذية للمجرم على جسد بروس لي في «ادخلِ التنّين». لكنّي أعلم أنّ تلك علامات تركتها أصابع الرسول، عاشق القطط، لفرط ما داعب رؤوسها. أعلم أنّ البابونج شراب المؤمن المهزوم، يحتسيه ليهدأ روعه، ولا يقنط من رحمة ربّه. في غزوة أحُد، انكسرت إحدى أسنان الرسول الأمامية، وغطّاه صحابيّ لا أذكر اسمه حتى صار ظهره، تحت وابل النبال، كظهر قنفذ، و«پيخمبر» حيٌّ تحته، دامي الفم، ينزف عرقاً. قطرة عرق سالت من حاجبه إلى الأرض، فنبتت بين أحجار الجبل، في الصحراء، زهرة بابونج قطفها بطلُ أُحُد، خالد بن الوليد، وأخذ بذورَها معه إلى حمص. كنتُ أغتبط وأشمئزّ، في آن واحد، حين تجمعين بين عطر البابونج وعرق الرسول، الأمّيِّ مثلك، تحت سماءٍ صافية كمرآة درّاجتي ذات العجلات الثلاث، يبتعد فيها كلُّ شيء فيصير جميلاً.

بالنسبة إليك، كان كلُّ شيء صافٍ مرآةً. كنتِ تقولين إنّ مؤخّرتي العارية، الباردة، قمرُك البارد كالرخام، قمر المعجزة الذي قسَمَتْه إصبعُ الرسول إلى نصفين، وأنت تدهنين بالفازلين أنفك، ثم تدهنين به شرجي لتطردي «حشرات ذيابو»، بعدما استفحلتْ لأنني استرقتُ التهام الكثير من بذور عبّاد الشمس النيئة. كان جسدي يدور في نومه على فراشنا، كعقرب ساعة تدور في جوف الليل خارج الزمان، فأرفسك في نومي رفسَ البغال، كما رفستُ في ظلام رحمك، فتهدئينني، أو تهدّديني بأشهر تهويداتنا:

    «نَم، بنيَّ، نمْ. قتلوا أباك، وهذا نواح أمك»

وفي الصباح، أول استيقاظي بين ذراعيك، تباعدين ردفيّ، وتضعين بينهما لاصقاً شفافاً تمزّقينه من البكَرة بأسنانك، إذ هكذا تكْشَفُ الديدان التي تقطع أمتاراً طويلة من ظلمات الأمعاء لتبيض في نور النجوم. كنت ترسمين بإصبعك عقربين على ردفيّ، وتقولين:

    -بهذه الساعة سأقيس عمري. أهداها الله إليّ حين انتقلتَ من بيت جسدي إلى بيت جسدك.

وترتجف إصبعك المحنّاة كعقرب الثواني الأحمر لا يبرح موضعه، مترنّحاً داخل ساعة الحائط، لأن بطارية «برق» قد نفدت.

وقتذاك، لم تكن كلمة «الڤازلين» قد ارتبطتْ بتداعيات كريهة سمعتُ قصصها حين كبرت، ولا كنتُ أخشى البواسير التي أمضّت معظم أعمامي. ملّوا المراهم لاذعة الروائح. ملّوا الحقن الشرجية ذات المطاط البرتقالي. ولمّا يئسوا من الشفاء، باتوا يحشون شروجهم بالبنّ، ويمسحونها بالحصى. كان الدكتور قاسم، الدرعاوي ضيّق الصدر، الأصلع أعزب الدهر، يوبّخهم:

    -لا حول ولا، ما هذا!؟ ناسور… باسور… زرزور… شحرور… والله، هذه عيادة، لا مقهى!

وبدلاً من فحصهم يقرأ لهم فألهم في مؤخّراتهم. رأيته معك يدخّن وحيداً، مطلاً على شارع الوحدة من نافذة غرفته في فندق هدايا، وقلتِ لي:

    -سراويل أعمامك مدماة، كسراويل النساء في ميعادهنّ.

أتساءل لماذا أطلقتِ ذلك الاسم البدويّ «حشرات ذيابو» على الحرقص، مسيّل اللعاب من أفواه النائمين؟ لماذا، «بلا معنى»، نسمّي الشرج تابوتاً؟ «تا-بُو-ت»! لمتانته؟ أم هناك احتراسٌ ما، وراء تسميته وعاءً للموت، باسم مستعار من لغة أخرى؟ كانت ضحكتك خجولة، وأنت تغطّين فمك بخمارك، الموصلّي، النباتيّ، تشيحين برأسك حين تسمعين عن تجنّب الكرديات نطقَ المعوّذتين، إلا همساً في الصلاة: «قُلْ… وا ويلي!».

لو طاولتْ يداي الآن ذلك الشرطيّ الحقير الذي قال لك في مديرية الناحية:

    -الثقب في طنبور ابنك وسخ كحفرة المرحاض.

لعلّقتهُ بحزامه الأبيض، وشنقتُه من خصيتيه النتنتين، فوق هذا الوادي السحيق أمامي. كان جهله اسمَ الآلة يغيظني أكثر من الشتيمة بحدّ ذاتها. طنبور! طنبور، يا أخو الشحتة! حسناً، سأهدأ. كنتِ تحكمين على البيوت من نظافة مراحيضها، ويزعجك الذهاب إليها في الشقق، لأنها تبقى قريبة، مهما احتال البنّاؤون والمهندسون، وتغضّين الطرف عن تلك الشحّاطة الخاصة بالمرحاض على ممسحة العتبة. كنت توبخينني:

    -لا تقل «دورة المياه» بل «بيت الراحة»، ولا تقل «سأبول»، بل: «سأريقُ ماء».

ساخرةً ممن يستخدمون «تواليت»، لا لأنهم يدّعون التمدّن، بل لأنك كنتِ تظنين أنّ المفردة هي مرآة الزينة. بيت الراحة، بيت الأدب، بيت الخروج الكبير والخروج الصغير… كلّ هذه الكنايات تتحقّق في العراء، حيث أقضي حاجاتي كحيوانات الله، البكماء الصمّاء، مترحّلاً بين الأوكار، هارباً من كمين إلى كمين.

كان عمّي فيروشه كالغجر. حين يزورنا، لا يرفع إصبعه عن جرس الباب حتى يوشك أن يحترق. كان يستهلّ التحية بشتيمة صغيرة لأصلك وفَصْلك، وفي غمرة خجلك تتمكّنين من الردّ عليه، وتعيّرينه:

    -أنت… يا منتظرَ الغمزة من سميرة توفيق، أنت… يا من يرى الفجل فاكهة الجنّة… يا من وجهه مَنْسف، وكلامه بلا طعم… الشماخ نظيف، والصابون بالدين…

فيضحك عالياً، ونهاية ضحكته «خخخخ» كصوت قطّ شدّوا ذيله. وعند خلعه عقاله وشماخه تظهر صلعته، بزغبها الأبيض المبعثر، فتبرز أسنانه أكثر، ويبدو شبيهاً بالمجرم في «شاهد ما شفشي حاجة»، فلا أكاد أتعرّفه. حاجباه يعلوان كذلك الممثّل، وعيناه تجحظان وتتجمّدان، حين يلمّحون له إلى قضاء الحاجات داخل البيت. كان قد هدّ المنتفعات في بيته ليبنيها من إسمنت، إلا المرحاض الذي لم يسمح فيه بالإضاءة الوقحة. استبْقاه، كما كان، من طين، يعتلي الحفرة الفنّية، لا سقف له ولا باب.

لا أنسى تلك الصورة اللعينة في كتاب العلوم، حيث نقاط التسرّب من الحفرة الفنية تلوّث مياهَ البئر. لا يزال بطني يوجعني حين أتخيّلها، كأنني طفل ابتلع قطعة نقود (كان مرسوماً في صفحة أخرى من ذلك الكتاب نفسه). لا أنسى هذه المعلومة، مثلها مثل الوجع الذي يسببه تراكم حمض اللبن في ربلات الدرّاجين. على صاحب الحاجة الأرعن، المسرِع من أقصى الباحة إلى أقصاها، أنْ يحذر العقارب إذا مدّ يده في العتمة إلى زرّ النوّاصة، فالملقطان كمّاشة والذيل منجنيق. على المقترِب أنْ يتنحنح: «دستور! دستور!» في النهار، أو إذا كانت الكهرباء مقطوعة، وإذا كانت تمطر، وتوجّس من الزكام، رفع المظلّة السوداء عن مسمارها، المدقوق في شجرة التوت، فيفتحها ليقي فانوس الكاز أكثر مما يقي رأسه. أنسى دوماً أن أتعوّذ من الخبث والخبائث. كان عليّ، عند الإسراع خائفاً من الظلام، أنْ أحذر عكّازَ الشيطان، ذا المقبض المعقوف كأنفي. لا أزال أحذّر نفسي من أنشوطة الشيطان التي يرمي بها إلى كواحل الملعونين وأعناقهم. كنتُ أخشى أن يجرّ عاقّاً مثلي إلى صفوف رعيّته، فيأخذني، وأطفالاً آخرين معه، إلى بئر الغرقى.

كنتُ أضع ذاك الفانوس على دكّة الطين، وأداعب زخارف حديده، كأنها زركشة ناعمة من الدانتيل في ثوب نوم. كانت حرارة لهبه البرتقالي تصعد إلى الفوهة، لافحةً بأمواجها وجهي، وأنا أكاد أحيط زجاجته براحتيّ، كأنهما لا تجرؤان على لمس فتاة عارية، ساخنة. في مساءات أيار، كنتً أنتظر «فراشاتِ الخير» التي لا يعلم أحدٌ من أين يأتين فيرفرفن حولي، يترنّحن ويدغدغن خدّي وجفوني؛ ضريرات آنسْنَ في ناري نهاراً، «فَقْريّات» سمراوات مثلنا، معوزات لم يرينَ الدنيا، صابراتٌ تكتنز أبدانهنّ في الوحشة، يكسوهنّ وبرٌ وغبار حزينان. الخير الذي يأتين به شحيح. تسرّع البدانة أجنحتهنّ القصيرة، غير القادرة على حمل أجسامهنّ، فلا تكاد تُرى، مثل جناحي الطنّان المسمّى «نيّاك الهواء» في دير الزور. لا تحليق في طيرانهنّ. لا علوّ. لا ابتعاد. كأنهن، بألوانهن الكابية، ينبثقن من تراب بيتنا وإليه يرجعْن، إذْ سرعان ما تختطفهنّ الخفافيش التي تنام فجراً، بين عوارض السقف، فوق درج المدخل الصغير. كنتُ أدير مفتاح الفانوس كعلبة موسيقا، فتطيل النارُ لسانها الصغير، ثم أبتعد خطوتين، لأتفرّج على الطائشات المتهافتات، فيبدو لي شقُّ الفتيل في قلب الزجاجة كالصّدْع في فرْج طفلة. كنتُ أترك فراشات الليل لمصائرهن، ثم أصفّف اللواتي يحترقن منهن في حلقة، مثل سوارٍ من السديم حول القمر، وأروح أتملّى ما رسمته النار على أجنحتهن المحترقة. كانت وجوههنّ المكفهرّة أقرب إلى وجوه الأسود.

كنتُ أرتمي منهكاً على الأريكة، فأسمع وشوشات أظنّها أفواهاً تلتهم أوراقاً في الظلام. كانت تلك الضجة الخافتة بيوض عثّ تفقس تحت رأسي. اليرقات رخوة، لا ماء في ولادتها. بزّاقات طائرة من رمل. كلها غبار. تُسحق كرماد سيجارة، ولا تكاد تترك أثراً. سهولة سحقها تعتصر بطني ووجهي. مرّة سحبت الصندوق الجرّار للأريكة، فانطلق سرب من فراشات الخير. كان يجب أنْ تسمَّى فراشات اللعنة. تناثرت في الهواء بودرة أسعلتني طويلاً. أثناء سعالي، رأيتهنّ بعيني الدامعتين، يتّجهن إلى المصباح البرتقالي، رحن يلطمن زجاجه الرقيق كيهود تائبين يخبطون بجباهم حائطَ المبكى، فهوتْ في تزاحمهنّ قطعة كلس متقفّعة على الجدار. كنا قد قبرنا في صندوق أريكتنا كراريس سياسية، ومنشوراتٍ بالية كانت توزّع باليد، وعشرات النسخ من مذكرات المخاتل في الجبال مسعود البرزاني، ذات الأجزاء الأربعة، ولكل غلاف لونٌ من ألوان علم كردستان. كانت فراشات الخير قد فرَمت الصفحات فرْماً. رفرفن مثل أعلام ممزّقة فوق بنايات مهملة، فتطاير حول المصباح هباءٌ ملوّن ببقايا الحبر. تساقطت من أجنحتهن حروفٌ وأرباع كلمات، مطبوعة على ورق أصفر، كالقشّ حين يتعفّن. لا نأمة سوى ذاك الرفيف الناعم، المثير للغثيان. حاولتُ إبعاد قصيراتِ العمر عن الموت الذي لا شيء يزحزحهنّ عنه. أزحتُ الستارتين البيضاوين، الطويلتين. شرعت مناخل الشبابيك، الخضراء العميقة، كأنني أنتظر أشباحاً تأخّروا عن الوصول، إذْ دعوتهم بقلبي من ليل البراري، ليتفرجوا معي على هذه المسرحية الصامتة.

يوم ارتقبتُ «الحدث الجلل»، مضطراً بُلتُ أسفل شجرة التوت، واقفاً، مباعداً ساقيّ، وأنا أتفرّج على السماء الواسعة الصافية. كانت الغرف قد ازدحمت بالضيوف، والأدراج الطينية الصغيرة بالكلاشات الديرية والأحذية التي طُويت مؤخّراتها. تحاشيتُ زوايا الحيطان، لكيلا ينعتني أحد صائحاً من خلفي: «يا ناكح الحائط!»، ولكيلا يهيّج زلال بولي العقاربَ التي كانت ساعة نزهاتها المسائية قد أزِفتْ، فتلدغ ما بين فخذيّ. كنتُ ساهياً حين انتهيت، فعضّتْ أسنان السحّاب قلفتي. حبس الألم أنفاسي. كاد قلبي يسكت، ويغيّبني عن الوعي. نزفت قلفتي التي تحسّرتُ على ضياعها في اليوم التالي. وددتُ لو دفنتها بيديّ تحت شجرة السرو، بعد حفل الختان الجماعي، في بيت عمّي فيروشه.

يوم فرّق الختان بيني وبينك، أفطرتِني عسلَ ديريك وقيمر جواميسها، وغدّيتني طبقاً من معجون التمر الديريّ، عائماً في السمن الحرّ، مغطّى بطبقة من عيون البيض، «الكرمانجي». كنتُ مقبلاً على ولادة ثانية: عقدتِ سواراً من خيط أخضر في أعلى ذراعي، كما يُعقد «خيطُ البرَكة» هذا أساورَ في أرساغ المولودين، وأقراطاً في آذان المولودات. كنت أعاف منظره، ذلك الخيط، فأقول لنفسي: «هذا الأخضر مشؤوم، أخضر جهنّم»، ثم يمضّني الندم فأتبرّك به. بدبوس إنكليزي ربطتِ إلى كتفي تميمة خضراء كوسادة دمية:

    -لا تخفْ. لا كلمات هنا، فلا تفتحها.

 كانت حشوتها قطعة صغيرة من فرج ذئبة. قلت:

    -لم أجلبْ لك حجاباً مثلّثاً.

أردتِ لي الحظ والصبر، فما ينقصني ليس الشجاعة. خشيتُ دوماً تضييع هذه التميمة. تعذبني حين تختفي. إنها مخدة مخداتي كلها. غطاؤها مزقة من رفارف «الشيغ جبر»- طرّزته باسمي، غرزته فيه بخرز ناعم عقيقي كمحافظ المسجونين. كان مرقد الشيخ يلوح من بعيد مثل سفينة أشباح، غبراء الخضرة، ممزّقة الأشرعة، رسَتْ على كتف تلّة.

عصراً، أتى المطهّر، «مطبّقُ السنّة»، معتمراً عمامته البنفسجية، معه حقيبةٌ سوداء من جلد البقر كنتُ أكره أنْ تقارنوا حقيبتي المدرسيّة بها. كان يضع نظارة سوداء كسعيد كاباري. للوهلة الأولى، خشيتُ أنه أعمى، وقد يقطع بالنصل حشفتي، كأنها رأسٌ حليق لجنديّ فارّ يرقب المقصلة. راقبته كيف يسنّ الموس على قطعة جلد بنّية، ثم يجهّز أنبوباً نحاسياً، بدا لي خفيفاً كإبرة الحياكة، لم أدرك أنه سيولجه في إحليلي- أمسك به، طواه، رفعه، أخفضه، راز الخصيتين كبيضتي قطاة. ما كنتُ لأستأمنه أنْ يقصّ ظفري، وأنا مباعدٌ فخذيّ اللتين أمسكهما، بيديه القويّتين، الكريڤ حج علي (القصير ذا الوجنتين المنتبجتين كنافخي الزجاج. كنتُ إذا ناديته: «إسماعيل ياسين» نلتُ منك صفعة خفيفة خلف عنقي).

 وضع الكريڤ كفّه على قلبي:

    -طبل أم أسد؟

فتسارعت دقّاته أكثر. لا أحد سوانا نحن الثلاثة، لا شهود على عار الإغماء المحتمل. مازحني حج علي:

    -اليوم، ستصير نوّاصتك مصباحاً فانتبه. الرأس حسّاس، رقيق. كُنْ معتدلاً كأخوالك. احذر اللمسة الباردة، لأنها خطر انفجار!

 وضحك وحده، ماسحاً غرّتي التي التصقت بجبهتي:

    -لا تهتمّ. دموع الشجعان تتحوّل إلى عرق.

استعددتُ للألم، الوشيك القادم، بالتنفس العميق، أحبسه وأزفره كالمرأة في الطلق. قال لي الكريڤ، مثبّتاً ساقيّ، مباعداً إياهما وأنا في حضنه، ليُلهيني عن ترقّب الألم الذي أبكى المنتظرين أدوارَهم بعدي، لأنّ البكر أوّل المختونين:

    -الرجال لا يبكون، عفَّرِمْ! شرّفتَ أخوالك! كبشٌ أنت، خنزير برّي! انظُر، هناك فأر! هناك، هناك!

مشيراً بسبّابته إلى ثقبٍ في السقف، بين عوارض الخشب والقشّ، وفي تلك اللحظة هوى المطهّر بالنصل على قلفتي، الممطوطة في يده، وبترها. رشق دمي المخدةَ البيضاء، الطويلة. غلّف الأعمى جرحي بمنديل أبيض. سمعتُ صليلاً. ولدان يتبارزان بمقصات العنب الثقيلة. غنّتِ امرأة خلف النافذة. كان صوتها شجيّاً كتغريد الوروار. ما لبثت أنْ سكتت. لم أسمع الكلمات جيداً. لحن المزمار، ذي القصبتين القصيرتين، تحت العناقيد السوداء، كشف لي الأغنية:

    عقدتُهُ فلا تفكّه يا فتى

    أين قنديلي يا أسمر؟

لا أعرف مَن ألّف «منديل الفتى»، هذه الأغنية القصيرة الغامضة. القنديل والمنديل. قنديل مضاء في وضح النهار. المنديل ثلاثة مناديل، يبدأ ملوَّناً، ثم يحمرُّ فيسودُّ، كحياة الإنسان. مَن تخاطب الفتاة التي نسجت منديلها بيديها، خيطاً فخيطاً، وطرّزته بعقيق كلآلئ صغيرة من الدم؟ هل العقدة هي البرعم، وتفتُّحهُ بدايةُ موته؟ هل البقعة القانية على البياض هي القنديل، وزيته دمُ البكارة؟

القناديلُ الورقية ذات الوجهين، المعلّقة إلى أغصان الشجر، تقزّحت كالدموع، حزناً على وداع الطفولة، وفرحاً بوصول الرجولة. كان عليّ النهوض وحدي، والعيون مسلّطة على المتورّم بين فخذي. منشفة مقلّمة، مبلَّلة بالعرق، ملفوفة حول عنقي، كأني ذاهبٌ لأمسك برأس الكوڤند، ملوّحاً بالمنشفة كرايةٍ من أحد البلدان الأفريقية التي كنا نموّه بها علم كردستان خلال كأس العالم. كنتُ أعرف أعلام الكثير من البلدان. لوّحتُ بمنديلي لشمس حزيران وأنتِ تزغردين. لم أستطع الاحتجاج على زغرداتك التي ينقبض وجهي لدى سماعها. ودّعت بقعة دمي على بياض المنديل الذي عقدتُه، ثم علّقته كعلم اليابان إلى شجرة الورد، لأنه ذكرى من ذكَري، ذكرى من «وردتي» التي كنتِ توهمينني بأنّك ستخطفينها، وتأكلينها في لقمة واحدة: «عَمْ!». كانت وردتي برعماً لم يتفتّحْ، مثل رأس فيل في الشطرنج. خشيتِ مرةً ألا يتفتّح هذا البرعم أبداً، فتداويتُ بهذه الأغنية:

    اخضرّت شجرتي.

    استيقظ ألمي.

    هبّتْ رياح الأجل على فانوسي.

    تبعثرت بتلات وردتي.

باعدتُ الأوراق الخضراء العريضة لزنابقك الحمراء. كانت وراءها شجيرةُ الورد. علّقتُ إلى شوكةٍ خاتمَ جلدي. حلقة تامة تربط اللسان، فكلمتي، منذ هذه اللحظة، وعدٌ وميثاق. سيحرمني هذا الخاتم البكاء، إلا أذا أدمعتني الموسيقا أو الموت. ربما اختطفه أبو الحنّ، ومزّقه ليطعم فراخه. المقياس عندي أنّ ألذّ ما في الدجاجة جلدها. لا أدري إنْ كان هذا الضاري الصغير يأكل لحم البشر، لكنه كان يظهر، بالبقعة الصهباء على صدره كلحية شيخ محنّاة، حين تعزقين التراب لتبذري خضارك، منتظراً أنْ تلوح الفرائس، ديدان الأرض التي ظننتها عديمةَ الرؤوس، تتلوّى وقد آلمها النهار. اصطدته مرة. حبسته في صندوق بصل فارغ، ثم وضعته فوق النمليّة، تحت السجادة المعلقة إلى الجدار الجنوبي لحجرة المونة التي كنت أنعطف نحوها، كأني حصان تحرّكني يد القدر على رقعة شطرنج. لم يتوقّف تغريده الحادّ. ربما لأنه رأى شبيهه مرسوماً فوقه. سمّيته الحاجّ Qerabalix، وخاطبته ضاحكاً:

    -ولكم في الحاج لقلق، والحاج حجيك، أسوة حسنة، فاعتبروا يا أولي الألباب.

كانت النسّاجات قد رسمن الملاك جبريل في السماء الكحلية لتلك السجادة، محلقاً بجناحيه العظيمين فوق مكة، حاملاً الكبش العظيم إلى أبينا إبراهيم، العملاق الأكحل العينين، ذي الضفائر الطوال واللحية المرسلة والعباءة الخضراء، رأسه مائل كأنه قد سمع صوتاً، لصق ركبته الجاثية كيسُ سكاكين على الأحجار، يمناه تضع النصل في نحر ابنه، إسماعيل معصوب العينين، موثق الرسغين، موثق الكاحلين؛ على مقبض السكين أبو الحنّ، يحدّق في العين الهلوعة للطفل الذي سيُذبَح. فجر شتوي يضيء وجنتي إبراهيم. الصحراء تترامى، وقد تورّدت رمالها. سيخضّب أبو الحن صدره الأبيض بالدم، ويمرّغه بالرماد الساخن للمحرقة على جبل المُريا، ثم سيحطّ على نصل السكين، ويغرّد لمن نجّاه ربّه. ستحشو هاجر لحافَ إسماعيل بصوف الكبش، وتوسّده مخدّة من ريش أبو الحنّ الذي رأيتُه مرّاتٍ، بعد توقف هطول المطر، يختطف ديدان الأرض الزاحفة بين الأحجار. كان يغرزها في أشواك ورودك، ثم يتركها هناك تتلوّى حتى الموت، كأنه يقدّدها.

كانت آكلات الورد الجوريّ يخجلن إذا بُوغِتْنَ وأفواههنّ طافحة بورقه الأحمر، الشافي من كلّ داء. كنتُ آكل الورد أيضاً، قبل أنْ ترشّيه بسكّر التموين الأسمر لتصنعي المربّى، مرتّلاً لك والبتلات في فمي:

    نحن سُكاراكِ أيتها الوردة،

                 يا مَن كفافكِ في التراب

                        ماءٌ ونور.

    بيد الأرملة سقاكِ السحاب

    فطّرتْكِ الشمسُ وهجَ التفّاح           

            يُذيقك القمرُ شعاعاً من السكّر.

    فُوحي بصمتِ أرواحنا، اَسكرينا.

ييبس الياسمين في ترابنا- الزهر الذي يسيّج جنّات عدن، لا يحتمل جهنّم شمسنا. رائحته تهدي المؤمنين إلى باب الفردوس في ليل القيامة. نجومه على سياج البيت، مصفرّة البتلات كقصاصات ورق بيضاء اندلق فوقها شاي ساخن. كانت وردتي هي عرف الديك، أبذرها معك في آذار. كنتُ، بالرقّة التي تستطيعها يداي، أمسّد عرف الديك، التيجان الأرجوانية على رأسه اللحمي القوام، ممسّداً مخمل أوراقه كأنها قلوب مسنّنة الحافات. بصمغ عصارته، الممزوج بحليب التين، داويتِ الجرحَ بين فخذيّ. مرّتْ عليّ أيام صيفية بطيئة، لم أعرف مثيلاً لنعمة طولها. أمضيتها ناقهاً، حبيس البيت، أفتح طاولة الزهر لألعب «المغربية» مع نفسي، متفيئاً، مثل قطّي، دواليَ العنب الشامي، ماضغاً، مثله، ما التفّ من أغصانها، اليانعة الحامضة، حول أعمدة السرير.

كنتُ أداعب قطّي حتى يعتصر الغثيان أحشائي، وأوشك أن أتقيّأ قبله. مرةّ، أبعدته عني فلمعت عيناه، كأنه قرأ نواياي. انهمك بنفسه، لاعقاً بطنَه، فخصيتيه المزغبتين كحبّتي حمّص في غلافهما الوبِر؛ بغتة، علا ذكَره فلعقه أيضاً، لعقه بهدوء، بلسانه الذي تدغدغني خشونته ودفؤه، حين يمسح به بقايا اللبن عن أصابعي. كان ذكَره مخروطاً أحمر، يتحلزن مثل برغي يُدفَع على مهل في جدار الهواء، أو مثل نسخة مصغّرة عن برج بابل رأيتُه في لوحة مصوّرة.

شاهدتُ ذكَر القطّ في مشهد لا يُنسى. كنتُ وحدي حين سمعت خبطات غريبة على باب الحوش. تلاها قرعٌ لجرس البيت الذي يجفلك دوماً، كأنّ كل رنّة منه تقتلع قلبك من بين ضلوعك. لم ينقطع الرنين. فكرتُ أنّ أولاداً قد ثبّتوا زرّ الجرس بلاصق، وهربوا. هرعتُ لأفتح الباب وقد راعني، في جهنّم الأصوات، مواء حادّ صداه لا يُحتمل. رأيتُ قطاً يحشرج، متدلياً من الكلاب الحديدي، المثبّت في المظلة الإسمنتية، تحت مصباح العتبة الذي فرضَت البلديةُ تعليقَه أمام كلّ بيت. كان المعلَّق في الهواء ينازع تحت تعريشة اللبلاب. خفتُ انقضاض هذا السنّوري عليّ، عينيّ وأوداجي على الخصوص. تعرّفت إليه- قطاً سائباً، قائمته الخلفية مشوّهة. كانت عادته أنْ يتشمّم أبواب البرّادات، المغلقة بالقفل والمفتاح، دون أمثاله هو والأطفال، فيحاول عبثاً فتحها برأسه وقدميه، ثم يرشقها ببضع قطرات بول وينصرف. كان أحياناً يتبرّز على لوح «كونتبلاك»، الموضوع أمام كل برّاد. كان علينا ألا ننسى وضع قدمنا فوق اللوح أولاً، ثم نلمس مقبض البرّاد، تجنّباً لأي تكهرب محتمل. كنتُ، بالأمس، قد أصبتُ القطّ الأعرج بفردة حذاء طائرة، حين رأيته يلعق بقايا اللحم عن سفافيد الشواء، المكوّمة تحت حنفية الباحة، بعد رحلة من رحلات الربيع في البراري. شنقه رذلاء أكبر مني. أتوا بسلك صدئ من بقايا الدواليب التي يحرقونها عشية النوروز، ونصبوا الفخ. كمنوا له. استدرجوه بقطعة جبن. ليتيقّنوا من مغادرته هذا العالم، أحرقوا شواربه الرادارات، ولاحت أطرافها المحروقة كالعقد في سيقان عنكبوت، ثم خنقوه حتى انتفش ذيله، ولمّا نعظ برجُ بابله قطعوه، فعثروا فيه على عظم صغير. ضحكوا:

    -قطعة لحم فيها عظم! كنا نظنّها مزحة!

بالجرح بين فخذي انفتح باب مُتع أخرى. الآن صرتُ ملكاً لنساء أخريات لا أعرفهن. لن يغرقن وجهي بلعاب القبلات. لن أخمّن أبداً ما يضمرن لي. هنّ ألغاز مستقبلي، منقذاتي وأنا ابنهنّ. كنتُ أنهض ممسكاً بمنتصف جلبابي، مباعداً ساقيّ كفرخ القطا، وأمشي الهُوينى. نعم، الهوينى. كالسائر على البيض. كالمفضوضة.

تأخرتُ يوم تساقطت القلفات من بين أفخاذنا، كالسُّرر في اليوم العاشر. بزيت الزيتون طرّيتِ لي الشاش، الملتصق بعُرف ديكي. مشفقة عليّ وفرحة بي، قلت:

    -رفقاً بما تملكه ولا أملكه. هكذا، من دون ألم، ستسقط القبعة البيضاء عن طاقيّتك الحمراء!

مختلياً بنفسي في غرفة الضيوف، تفحّصت برعمي بالمكبرة الروسية، كأنه زهرة فم السمكة أضغط جانبيها، فتفتح فمها لتقول شيئاً لا أسمعه. لم أبُحْ بهذا لأحد، لكيلا تلتصق بي تلك الكناية الرهيبة عن ضيق الأفق- أي كيلا أصير واحداً من الذين يرون العالم عبر ثقب إحليلهم، أو يجوبون الأيام كالفلاحين وصُلبُهم رفشٌ على كتفهم. وحدي، عاينتُ خسارة برعمي التي يتحسّر عليها الكبار، لأنها تفقده شيئاً من حجمه الإضافي، وتسرّع مجيء شهوتهم. مَن يستطيع الجزم بما يلزم التخلص منه؟ وهل قصّ الختّانُ ما يجب قصُّه حقاً، دون زيادة أو نقصان؟ هل اعوجّ «رجُلي»، وخرج عن السراط المستقيم؟ هل رضّت الشفرةُ إحليلي، فتضيّقَ ومال كربطة عنق في نهاية حفلة؟ هل تشوّه الصماخ ليتشعّب قوس البول كلسان الحية ويحرقني، أو ينجّسني ما يتطاير من رذاذه، فتأكل الاحتمالات دماغي حتى ترغمني على الاستحمام؟ كنتُ أقرأ مثل تلك التساؤلات، المرسلة من قبل مجهولين إلى بريد القراء، في أعداد قديمة منزوعة الغلاف من مجلة «طبيبك»، وأنا أختلس تصفُّحها في صالون «حلاق السعادة»، متظاهراً بأني أقرأ شيئاً آخر.

مَن يدري كيف تتكوّن العادات، ومتى تبدأ بالضبط؟ منذ ارتدائي جلبابَ الطهور، البارد، ناصع البياض، أحببتُ النوم من دون سروال تحتاني، ولا أزال حتى الآن، ما استطعتُ طبعاً. أتلذّذ ببرودة الشراشف أول اندساسي تحتها، وأحياناً أستيقظ عارياً في فراشي، دون أنْ أدري أيّ جنّي خلع لي ملابسي وأنا نائم.

تلك الأيام، صاحبني مذياع كونيون في الشبّاك. ظللتُ أستخدمه لسنوات طويلة مخفَضَ الصوت، مؤشّره لا يكاد يفارق إذاعة يريڤان. أشعله، فأسمع سوسكا سمّو على صوت كردستان، تغنّي عن بلبل غريب في الجبل؛ أغنية من أكراد القوقاز، ترقّ كخيطٍ يكاد ينقطع بين دمعتين، تلك الرجفة التي تكسّر نقاءَ الصوت في الحنجرة بكاءٌ مضى، أو بكاءٌ سيأتي.

كنتُ أمدّ هوائيّ المذياع إلى أقصاه لتقوية الإشارة، ثم أربطه بسلك إلى منخل الشباك ذي المضلّعات السداسية كمنازل النحل. كنتُ أدخل أصابع يديّ في تلك المضلعات، وأتفرّج على دبور أخير عند المغيب، جناحاه بلون الشاي، يشرب مما تقطّر من ماء حول البئر، ثم يحلّق إلى النوم، مرخياً قوائمه كأذرع السكارى. على الجانب الآخر من الباحة، أرى مَهْدي، معلّقاً إلى طرف عارضة من جذوع الحور التي تسقف البيوت، وتبرز أطرافها من الجدران، فتُعلّق إليها أشياء كثيرة فوق الرؤوس: سلالم، سلال تين، باقات ثوم، صناديق فارغة، عجلات، سلاسل الباميا الديريّة والباذنجان المجفّف…

المهود لا تُهدى، ولا تُشترى، ولا تُباع. إما أن تورَّث أو تُتْلَفْ. مَن يُسلَبْ مهده يبكِ، لإدراكه أنّ تلك الخسارة الأولى ستلحقه بالكبار الذين لم يكن يفهم، قبلئذ، لماذا هم حزانى إلى هذا الحدّ. القبر بشاهدتيه كالمهد يُوسَّد فيه الميت، وما مِنْ يد تهزّ ذاك السكون.

مهدي حديد أخضر. كانت تبطّنه سجادة صلاة، لأنّ الرضيع صَلاتهُ الابتسامة. قائمتا مَهدي مقوّستان كساقي عتّال، قاعه شبكة من أطواق الحديد المتقاطعة (تشبه الأطواق التي تُحزَم بها مكعبات ضخمة من أكياس الخيش، ويصنع منها الحدادون سيوفاً للأطفال). أرجَحَتُه هيّنة، إذْ كانت تكفي لمسة خفيفة من إصبعك، وأنت ناعسة تحدّقين باللهب في عين المدفأة، أو دائخة تحت وهج الشمس، تغطّين رأسك بمنشفة. لمستك تمرجحني، فترنّ الأجراس الثلاثة الصغيرة فوق رأسي، المعلقة إلى العارضة التي كنتِ تحملينني بها من قسوة الشمس إلى رحمة الظل، أو من تعاسة الظل إلى بهجة الشمس، خفيفاً، مقمّطاً بالكتّان. كان رنين الأجراس يُسكت بكائي، كما يهدئ روعك ناقوسٌ يتأرجح في برج كنيسة السريان، على الجانب الآخر من البلدة.

عشية السبت، كنتُ أنتظر أنْ يُبثّ برنامج الأبراج لإبراهيم حزبون على صوت إسرائيل، فأغيّر الإذاعة، مُدارياً لهفتي المشوبة بالقلق. يداي ترجفان قليلاً. ركبتاي المهتزّان لا تنصاعان لزجرك. مرة أبكرتُ، وأثناء دقائق الانتظار فوجئت بحديث إذاعي أتذكره بحذافيره، وإنْ فاتتني مقدمته. كان حاخام يتحدث، بالعربية الفصحى، عن الختان في مستشفيات تل أبيب. قال إنّ هذه العادة صحراوية. أخذها اليهود عن المصريين القدماء، إذْ كانت ذكورهم تلتهب حين تدخل حبات رمل طيات قلفاتهم، ولهذا أزالوها. قال أيضاً إنّ إسرائيل رائدة في مجال الدراسات العلمية للختان. هناك دراسة معمّقة في جامعة القدس، كشفت أنّ هرمون الشدّة، أي الكورتيزول (صحّحه المذيع: «الكورتيزون»، فصحّح الحاخام تصحيحه: «بل الكورتيزول»)، يرتفع في دم الرضيع، المختون عادةً بيد الحاخام خلال الأيام الأولى بعد الولادة. يبقى هذا الهرمون مرتفعاً لأسبوع كامل. هذا المنسوب يعادل بارتفاعه حادث سيارة، ولهذا لا ينسى الولد تفاصيل الختان أبداً، إذا كان واعياً بالطبع. إنه مثل كيّ اللحم بالنار. عضضتُ الستارة ندماً، ولم أنمْ جيداً لأيام، حين علمتُ أنّ القلفة المبتورة احتياطيُّ جلد، تُطعَّم به البشرة إذا احترقت، أو ضاع بعضها. مِن أيّ بنك استعار الحاخام فكرة «الاحتياطي» هذه؟ لمواساة المتأخّرين عن الختان المبكّر، أضاف أنّ هذه الخسارة مكسب، فهي تجعل مَن يجتازها صاحبَ كلمة. ختمَ بأنّ أول المختونين في التاريخ هو النبي إبراهيم. ختن نفسه بفأس في شيخوخته. كنت أتخيّل جدّنا النبيّ العجوز، طيفاً يمطّ في الخفاء قلفته بيسراه، على جذع الكينا المقطوع في باحة بيتنا، المتروك مثل لوح تقطيع في محلات القصّابين، ويمناه تطهّر بضربةِ فأس رأسَ ذكره. ربما كانت الفأس نفسها التي حطّم بها أصنام الكعبة.

كنتِ تقولين إنّ مثانتي ضيّقة، وخلقي ضيّق، وحلْقي ضيّق أتشردق بجرعة ماء. كنت أقرفص وأستعصي أحياناً في بيت الراحة، ذاك النائي عن الغرف، المفتوح على السماء، وربما اختلستُ هناك قراءة صفحات ممزّقة من «وليمة لأعشاب البحر»، حيث مارست فلّة بوعنّاب شهوتها بالقلم «حتى بكى فرجها». لا أنسى هذا التعبير. تساءلت: «هل هذا هو أسلوب الفرشاة في الممارسة؟»؛ أو ربما هتفتُ الكلمات الثلاث الممطوطة: «أهدافنا: وحدة حريــــــــــّـــــــــة اشتراكيـــــــــــــــــــــّــــــة»، فثالوث البعث يتحقق بتمامه في دورات المياه؛ أو غنّيتُ صادحاً «الوردة الحمراء»، فتتهادى أمامي في مكعب الطين ورقةٌ صفراء أرسلتها إليّ شجرة التوت في تشرين. كنتُ أشرد حتى تتخدّر قدماي، فأعرج عند خروجي كمَن أصابتْ شظيةٌ ساقه، أو يُنادى عليّ بالصراخ:

    -اخرجْ، وإلا أتيتُك!

فيرتبك المراهق الذي كنتُه، في خلوته هناك، لم يميّز يمناه من يسراه عند الدخول، لا بابَ ليسارع إلى إقفاله على نفسه ويطمئنّ، وقد بدأتْ مياهُ الرجولة دورانَها في خصيتيه، فسقَتِ الوبرَ الأسود النجس في شاربيه، وشقّقتْ صوته، ونضحتْ من إبطيه. لا مناص من الشرود عند القرفصة، إذ يُحسَر الجلباب، أو الفستان، أو السروال، فيداعب النسيمُ الفخذين العاريتين، منعشاً ما يخفى، أو ينتأ، أو يتفتّح بينهما. العقل سارحٌ في برودة الظلال، وغناء الحشرات. كانت القرفصة الأمتع حين يكتمل القمر في سماء الربيع، منيراً ممشى الأحجار البيضاء، بين الغرف وباب الدار، وبينها يبرز الحجر الذي أنبّه الضيوف لكيلا يعثروا به، والخفافيش فوقنا تسبَح في الهواء كالسكارى، وتسبّح باسم ربّها الذي خلق.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى